﴿وَلُوطاً إِذْ قالَ﴾ إما منصوب بالعطف على هاء ﴿فَأَنْجَيْناهُ﴾ أو عطفا على نوح في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً﴾ أي وأرسلنا لوطا، أو منصوب بفعل مقدر، أي واذكر لوطا، وعامل ﴿إِذْ﴾ هو العامل في لوط والأولى عطفه على ﴿إِبْراهِيمَ﴾.
﴿إِنّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ﴾ كاف ﴿مُنَجُّوكَ﴾ في موضع جرّ بالإضافة. و ﴿أَهْلَكَ﴾ منصوب بفعل مقدر، أي وننجي أهلك.
﴿وَلُوطاً﴾ أي واذكر ﴿الْفاحِشَةَ﴾ الفعلة القبيحة التي تنفر منها النفوس الكريمة، وهي إتيان أدبار الرجال. ﴿ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ﴾ استئناف مقرر لفاحشتها من حيث إنها مما اشمأزت منه الطباع السليمة. ﴿الْعالَمِينَ﴾ الإنس والجن. ﴿وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ الطريق على المارة، بالقتل وأخذ المال أو بالفاحشة، حتى انقطعت الطرق. ﴿فِي نادِيكُمُ﴾ مجالسكم الخاصة أو متحدثكم. ﴿الْمُنْكَرَ﴾ الأمر المخالف للشرع، المنفر للطبع السليم كاللواط وأنواع الفحش. ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ في استقباح الفاحشة وأن العذاب نازل بفاعليه.
﴿اُنْصُرْنِي﴾ في إنزال العذاب. ﴿عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾ العاصين بإتيان الرجال أو بابتداع الفاحشة، فاستجاب الله دعاءه.
﴿بِالْبُشْرى﴾ بالبشارة بإسحاق ويعقوب بعده. ﴿هذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ هي سدوم، قرية لوط.
﴿ظالِمِينَ﴾ كافرين. ﴿قالُوا﴾ أي الملائكة الرسل. ﴿الْغابِرِينَ﴾ الباقين في العذاب. ﴿سِيءَ بِهِمْ﴾ جاءته المساءة والغم بسببهم مخافة أن يقصدهم قومه بسوء. ﴿وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً﴾ أي ضاق بشأنهم وتدبير أمرهم؛ لأنهم حسان الوجوه في صورة أضياف، فخاف عليهم قومه، فأعلموه أنهم رسل ربه. وضاق ذرعه أي قصرت طاقته أو قدرته، وضده: طال ذرعه وذراعه، ورحب الذراع: إذا كان قادرا على الشيء؛ لأن طويل الذراع ينال ما لا يناله قصير الذراع. ﴿رِجْزاً﴾ عذابا شديدا، سمي بذلك، لأنه يقلق المعذّب، من قوله: ارتجز أو ارتجس أي اضطرب. ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ أي بسبب فسقهم. ﴿آيَةً بَيِّنَةً﴾ ظاهرة، وهي آثار خرابها. ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ يتدبرون أو يستعملون عقولهم في الاستبصار.
بعد أن ذكر الله قصة إبراهيم ذكر قصة لوط ﵉؛ لأنه كان معاصرا له في زمن إبراهيم، ولم يذكر في قصته هنا دعوته إلى التوحيد كسائر الأنبياء، وإنما اقتصر على ما اختص به لوط وهو المنع من الفاحشة، وذكر ذلك عنه في موضع آخر حيث قال: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ﴾ [هود ٧٨/ ١١، الشعراء ١٦٣/ ٢٦] ﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾ [الحجر ٦٩/ ١٥] وكان قد أتى به إبراهيم وسبقه إليه. واختص لوط بالمنع من عمل قومه الفاحش، فلما يئس من ردعهم وتطهرهم من فاحشتهم، استنصر بربه، فاستجاب له وأهلك قومه، ونجاه مع من آمن به بسبب فحشهم وكفرهم بالله وبرسوله وقطعهم الطرق.
التفسير والبيان:
﴿وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ: إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ﴾ أي واذكر أيها الرسول لقومك للعبرة والعظة قصة نبي الله لوط ﵇ حين أرسله الله إلى أهل قرية «سدوم» فأنكر عليهم صنيعهم وقبيح أعمالهم التي ابتدعوها، وقال منكرا عليهم أو محذرا أو موبخا ومقرعا لهم: أتأتون الفعلة الفاحشة المتناهية في القبح شرعا وطبعا سليما؟! ثم كرر الإنكار عليهم ووضح تلك الفاحشة فقال:
١ - ﴿أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ﴾؟ أي تأتون الذكران بشهوة كإتيان النساء، ما سبقكم أحد قبلكم من بني آدم إلى هذه الفعلة.
٢ - ﴿وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ أي تقفون في طريق الناس، وتتعرضون للمارة بقتلهم وأخذ أموالهم وفعل الفاحشة بهم.
٣ - ﴿وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ أي وتفعلون ما لا يليق من الأقوال