﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ الآية؛ لما نزل: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ [البقرة: ٢٤٥] قال بعض اليهود -وهو فِنْحَاصُ، أو حُيي بن أخطب، أو غيرهما-: إنما يَستقرضُ الفقيرُ من الغني، فالله فقير ونحن أغنياء، فنزلت هذه الآية، وكان ذلك القول منهم اعتراضًا على القرآن، أوجبه قلَّةُ فهمهم، أو تحريفهم للمعاني، فإن كانوا قالوه باعتقادٍ فهو كفر، وإن قالوه بغير اعتقاد: فهو استخفاف، وعناد.
﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾ أي: تكتبه الملائكة في الصحف.
﴿وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ﴾ أي: قتَلَ آباؤهم للأنبياء، وأُسنِد إليهم؛ لأنهم راضون به، ومتَّبِعون لمن فعَله من آبائهم.
﴿الَّذِينَ قَالُوا﴾ صفةٌ لـ ﴿الَّذِينَ﴾، وليس صفةً ﴿لِلْعَبِيدِ﴾.
﴿حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ﴾ كانوا إذا أرادوا أن يعرفوا قَبولَ الله لصدقةٍ أو غيرها جعلوه في مكان، فتنزل نارٌ من السماء فتحرِقُه، وإن لم تنزل فليس بمقبول، فزعموا أن الله جعل لهم ذلك علامةً على صدق الرُّسل.
﴿قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ﴾ الآية؛ ردٌّ عليهم بأن الرسل قد جاؤوهم بمعجزات توجب الإيمان بهم، وجاؤوهم أيضًا بالقُربان الذي تأكله النار، ومع ذلك كذَّبوهم وقتلوهم، فذلك يدلُّ على أن كفرهم عنادٌ، وأنهم كذَّبوا في قولهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا﴾.
﴿الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا﴾ الآية؛ ابنُ عباس: نزلت في أهل الكتاب؛ سألهم النبي ﷺ عن شيءٍ فكتموه إياه وأخبروه بغيره، فخرجوا وقد أرَوه أن قد أخبروه بما سألهم عنه، واستَحمدوا إليه بذلك، وفرحوا بما أتوا من كِتمانهم إياه ما سألهم عنه.
وقال أبو سعيد الخدري: نزلت في المنافقين؛ كانوا إذا خرج النبي ﷺ إلى الغزوِ تخلَّفوا عنه، وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله، وإذا قَدِم النبي ﷺ اعتذروا إليه، وأحبّوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا.
وبالياء وضم الباء: أسند الفعل لـ ﴿الَّذِينَ يَفْرَحُونَ﴾؛ أي: لا يحسبون أنفسَهم (¬١) بمفازةٍ من العذاب.
ومن قرأ: ﴿لَا يَحْسِبَنَّ﴾ بالتاء: فهو أيضًا خطاب للنبي ﷺ و ﴿الَّذِينَ يَفْرَحُونَ﴾ مفعول به، و ﴿بِمَفَازَةٍ﴾ المفعول الثاني، وكرَّر ﴿فَلَا تَحْسِبَنَّهُم﴾ للتأكيد.
ومن قرأ: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ﴾ بالياء من أسفل: فإنه حذف المفعولين؛ لدلالة مفعولي ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُم﴾ عليهما.