﴿ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ﴾: نزلت الآية في أبيّ بن خلف وأبي بن الأسدين، ومنبّه ونبيه ابني الحجاج بن السباق، قالوا للنبي ﷺ: إن الله تعالى قد خلقنا أطوارا، نطفة ثم علقة ثم مضغة، ثم عظاما، ثم تقول: إنا نبعث خلقا جديدا جميعا في ساعة واحدة! فأنزل الله تعالى: ﴿ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾.
المناسبة:
بعد إقامة الأدلة على وحدانية الله بخلق السموات بغير عمد، وبإمداد خلقه بنعمه الظاهرة والباطنة، أبان الله تعالى أن المشركين معترفون بوجود الله، وأنهم يتضرعون إليه وحده وقت الشدة، ثم يعودون إلى كفرهم بعد النجاة. ثم أثبت تعالى وحدانيته بملكه ما في السموات وما في الأرض، ثم أقام الدليل على سعة علمه، وشمول قدرته على كل شيء، ومنه خلق الناس وبعثهم، وتعاقب الليل والنهار، وتسخير الشمس والقمر في دورة محددة، وتسيير السفن في البحار بتيسيره وتهيئة أسبابه، علما بأن المشركين يعترفون بتلك الآيات.
التفسير والبيان:
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ أي وتالله لئن سألت هؤلاء المشركين بالله من قومك: من الذي خلق السموات والأرض؟ لأجابوا: هو الله الخالق، فهم معترفون بأن الله خالق السموات والأرض، غير منكرين له، لوضوح الأمر، وعدم وجود البديل، بحيث اضطروا إلى إعلان هذا الاعتراف بالله، ومع هذا فهم يعبدون معه شركاء، يعترفون أنها مخلوقة لله، ومملوكة له.
﴿قُلِ: الْحَمْدُ لِلّهِ، بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ أي قل أيها الرسول: الحمد لله على اعترافكم، إذ قامت الحجة عليكم بإلجائكم إليه، وأن دلائل التوحيد واضحة، لا يكاد ينكرها أحد، ولكن أكثر المشركين لا يعلمون أنه ينبغي ألا يعبد مع الله غيره، وأن هذه الحجة تلزمهم، وتبين تناقضهم، وأنهم لم ينتبهوا مع وجود هذا التنبيه.
وبعد انتزاع هذا الاعتراف الصريح بوجود الله وتوحيده، استدل الله تعالى على ذلك بقوله:
﴿لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، إِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ أي لله جميع ما في السموات وما في الأرض ملكا وخلقا وعبيدا وتصرفا، وليس ذلك لأحد سواه، فلا يستحق العبادة غيره، لأنه الغني عما سواه، وكل شيء فقير إليه، وهم مملوكون له، محتاجون إليه، وهو المحمود في الأمور كلها، وعلى نعمه التي أنعم بها، وعلى ما خلق وشرع.
ومنعا لإيهام قوله تعالى: ﴿لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ تناهي ملكه بحصره في الموجود في السموات والأرض، أبان تعالى أن في قدرته وعلمه عجائب لا نهاية لها، فقال:
﴿وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ، وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ، ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللهِ، إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أي ولو أن جميع أشجار الأرض جعلت أقلاما، وجعل البحر مدادا (حبرا) وأمده سبعة أبحر معه، فكتبت بها كلمات الله الدالة على عظمته وصفاته وجلاله، لتكسرت الأقلام، ونفد ماء البحر، ولو جاء أمثالها مددا، إن الله قوي لا يعجزه شيء، حكيم في صنعه، لا يخرج عن علمه وحكمته شيء، كامل القدرة، فيكون له مقدورات لا نهاية لها.
وإنما ذكرت السبعة على وجه المبالغة، ولم يرد الحصر، كما لم يرد أن هناك
سبعة أبحر موجودة محيطة بالعالم، والعرب تذكر السبعة والسبعين والسبع مائة، وتريد بذلك الكثرة.
والخلاصة: أن الآية تخبر عن عظمة الله وكبريائه وجلاله وكلماته التامة ومعلوماته وأسراره التي لا يحيط بها أحد، ولا اطلاع لبشر على كنهها وإحصائها، كما
قال النبي ﷺ: «سبحانك لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك» فمعلوماته تعالى لا نهاية لها. ويكون المراد بكلمات الله:
معلوماته، وقيل: هي ما في المعدوم، دون ما خرج من العدم إلى الوجود (¬١).
ونظير الآية: ﴿قُلْ: لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي، لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي، وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً﴾ [الكهف ١٠٩/ ١٨] وليس المراد بقوله: ﴿بِمِثْلِهِ﴾ آخر مثل فقط، بل بأمثاله، لأنه مفرد مضاف فيعم، كما أن ﴿كَلِماتُ﴾ وإن كانت جمع قلة، تفيد هنا الكثرة، لأن جموع القلة إذا تعرفت بالألف واللام غير العهدية، أو أضيفت، عمّت، وصارت لا تخص القليل، والعام مستغرق جميع أفراده.
ولما بيّن الله تعالى كمال قدرته وعلمه وأن كلماته ومعلوماته لا يحيط بها أحد، أوضح أن هذا الخلق غير المنحصر قد أحاط به علما، وأنه قادر على البعث والمحشر كما قدر على الخلق أول مرة، فقال:
﴿ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ، إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ أي ما خلق جميع الناس وبعثهم يوم المعاد بالنسبة إلى قدرته إلا كسبة خلق نفس واحدة، الجميع هيّن عليه، كما قال: ﴿إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢/ ٣٦] وقال تعالى أيضا: ﴿وَما أَمْرُنا إِلاّ واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر ٥٠/ ٥٤] أي لا يأمر بالشيء إلا مرة واحدة، فيكون ذلك الشيء، لا يحتاج