ذهب، وعن يسارها أسَدَان من ذهب، وعلى رءوس الأسدين عمودان من زبرجد] [¬١]، وجُعِل من جانبي الكرسي شجرتا [¬٢] كرم من ذهب، قد أظلتا الكرسي، وجعل عناقيدهما درًّا وياقوتًا أحمر. ثم جعل فوق دَرَج الكرسي أسدان عظيمان من ذهب مجوفان محشوان مسكًا وعنبرًا. فإذا أراد سليمان أن يصعد على كرسيه استدار الأسدان ساعة، ثم يقفان [¬٣] فينضحان ما في أجوافهما من المسك والعنبر حول كرسيّ سليمان ﵇ ثم يوضع منبران من ذهب، واحد لخليفته والآخر لرئيس أحبار بني إسرائيل ذلك الزمان. ثم يوضع أمام كرسيه سبعون منبرًا من ذهب، يقعد عليها سبعون قاضيًا من بني إسرائيل وعلمائهم، وأهل الشرف منهم والطول، ومن خلف تلك المنابر كلها خمسة وثلاثون منبرًا من ذهب، ليس عليها أحد، فإذا أراد أن يصعد على كرسيه وضع قدميه علي الدرجة السفلي، فاستدار الكرسي كله بما فيه وما عليه، ويبسط الأسد يده اليمنى وينشر النسر جناحه الأيسر، ثم يصعد علي الدرجة الثانية، فيبسط الأسد يده اليسري، وينشر النسر جناحه الأيمن، فإذا استوي سليمان علي الدرجة الثالثة وقعد علي الكرسي، أخذ نسر من تلك النسور عظيم تاج سليمان [¬٤] فوضعه علي رأسه، [فإذا وضعه علي رأسه] [¬٥] استدار الكرسي بما فيه كما تدور الرحي المسرعة. فقال معاوية [¬٦]﵁: وما الذي يديره يا أبا إسحاق؟ قال: تنين من ذهب، ذلك الكرسي عليه وهو عظيم مما عمله صخر الجني، فإذا أحست بدورانه تلك النسور والأسْدُ والطواويس التي في أسفل الكرسي دُرْنَ إلي أعلاه، فإذا وقف وقفن كلهن منكسات رءوسهن علي رأس سليمان ﵇ وهو جالس، ثم ينضحن جميعًا ما في أجوافهن من المسك والعنبر علي رأس سليمان ﵇ ثم تتناول حمامة من ذهب واقفة علي عمود من جوهر التوراة فتجعلها في يد [¬٧]، فيقرؤها سليمان علي الناس.
وذكر تمام الخبر وهو غريب جدًّا.
﴿قَال رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ قال بعضهم: معناه لا ينبغي لأحد من بعدي، أي: لا يصلح لأحد أن يسلبنيه بعدي كما كان من قضية الجسد الذي ألقي علي كرسيه، لا أنه يحجر علي من بعده من الناس. والصحيح أنه سأل من الله ملكًا لا يكون لأحد من بعده من البشر مثله، وهذا هو ظاهر السياق من الآية، وبه وردت الأحاديث الصحيحة من طرق عن رسول الله ﷺ:
قال البخاري (¬٢٥)، عند تفسير هذه الآية: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا روح،
ومحمد بن جعفر، عن شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن عفريتًا من الجن تَفَلَّت عليّ البارحة -أو كلمة نحوها- ليقطع عليّ الصلاة، فأمكنني الله منه، وأردت أن أربطه إلي سارية من سواري المسجد حتى تُصبحوا وتنظروا [¬١] إليه كلكم، فذكرت قول أخي سليمان: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾.
قال روح: فرده خاسئًا.
وكذا رواه مسلم والنسائي من حديث شعبة به.
وقال مسلم في صحيحه (¬٢٦): حدثنا محمد بن سلمة المُرَادي، حدثنا عبد الله بن وهب، عن معاوية بن صالح، حدثني ربيعة بن يَزيد [¬٢]، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي الدرداء قال: قام رسول الله ﷺ يصلي، فسمعناه يقول: "أعوذ بالله منك". ثم قال: "ألعنك بلعنة الله" -ثلاثًا [¬٣]- وبسط يَدَه كأنه يتناول شيئًا، فلما فرغ من [¬٤] الصلاة قلنا: يا رسول الله، قد [¬٥] سمعناك تقول في الصلاة شيئًا لم نسمعك تقوله قبل ذلك، ورأيناك بسطت يدك؟ قال: "إن عدو الله إبليس جاء بشهاب من دار ليجعله في وجهي، فقلت: أعوذ بالله منك -ثلاث مرات- ثم قلت: ألعنك بلعنة الله التامة. فلم يستأخر ثلاث مرات، ثم أردت أخْذَه، والله لولا دعوة أخينا [¬٦] سليمان، لأصبح موثقًا يلعب [¬٧] به صبيان أهل المدينة".
وقال الإمام أحمد (¬٢٧): حدثنا أبو أحمد، حدثنا ميسرة [¬٨] بن معبد، حدثنا أبو عبيد حاجب سليمان قال: رأيت عطاء بن يزيد الليثي قائمًا يصلي، فذهبت أمرّ بين يديه فردني، ثم قال: حدثني أبو سعيد الخدري: أن رسول الله ﷺ قام يصلي صلاة
الصبح وهو خلفه، فقرأ فالتبست عليه القراءة، فلما فرغ من صلاته قال: "لو رأيتموني وإبليس، فأهويت بيدي، فما زلت أخنقه حتى وجدت بَردَ لعابه بين إصبعي هاتين -الإبهام والتي تليها- ولولا دعوة أخي سليمان لأصبح [¬١]، مربوطًا بسارية من سواري المسجد، يتلاعب به صبيان المدينة، فمن استطاع منكم أن لا يحول بينه وبين القبلة أحد فليفعل".
[وقد روى أبو داود منه (¬٢٨): " من استطاع منكم أن لا يحول بينه وبين القبلة أحد فليفعل"] [¬٢]، عن أحمد بن أبي سُرَيج، عن أبي أحمد الزبيري، به.
وقال الإمام أحمد (¬٢٩): حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا إبراهيم بن محمد الفزاري، حدثنا الأوزاعي، حدثني ربيعة بن يزيد [¬٣]، عن [¬٤] عبد الله الديلمي قال: دخلت علي عبد الله بن عمرو، وهو في حائط له بالطائف يقال له "الوهط"، وهو مُخَاصر فتى من قريش يُزَن بِشُرب الخمر، فقلت: بلغني عنك حديث أنه من شرب شربة خَمر لم يقبل الله ﷿ له توبَةً أربعين صباحًا، وإن الشقي من شقي في بطن أمه، وإنه من أتى بيت المقدس لا يَنْهَزه إلا الصلاة فيه، خرج من خطيئته مثل يوم ولدته أمه، فلما سمع الفتى ذكر الخمر اجتذب يده من يده، ثم انطلق، فقال عبد الله بن عمرو: إني لا أحل لأحد أن يقول عَلَيّ ما لم أقل، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من شرب من الخمر شربة، لم تقبل له صلاة أربعين صباحًا، [فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد لم تقبل له صلاة أربعين صباحًا، فإن تاب تاب الله عليه. فإن عاد] [¬٥] قال: فلا أدري في الثالثة [¬٦] أو الرابعة- فإن عاد كان حقًّا على الله أن يسقيه من ردغة الخبال يوم القيامة".
قال: وسمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إن الله خلق خلقه في ظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من دوره يومئذ اهتدى، ومن أخطأه ضل، فكذلك أقول: جف القلم علي علم الله ﷿".
وسمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن سليمان سأل الله تعالى ثلاثًا، فأعطاه اثنتين، ونحن نرجو أن تكون لنا الثالثة: سأله حكمًا يصادف حكمه، فأعطاه إياه، وسأله ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده، فأعطاه إياه، وسأله: أيّما رجل خرج من بيته لا يريد