﴿كُسالى﴾ جمع كسلان، وهو حال منصوب من واو ﴿قامُوا﴾ وكذلك قوله:
﴿يُراؤُنَ﴾ .. ﴿وَلا يَذْكُرُونَ﴾.
﴿مُذَبْذَبِينَ﴾ منصوب من وجهين: أحدهما-أن يكون منصوبا على الذم بفعل مقدر، تقديره: أذم مذبذبين. والثاني-أن يكون منصوبا على الحال من واو ﴿يَذْكُرُونَ﴾.
﴿ما يَفْعَلُ﴾ ما: فيها وجهان: أحدهما-أن تكون استفهامية في موضع نصب ب ﴿يَفْعَلُ﴾ وتقديره: أيّ شيء يفعل بعذابكم؟ والثاني-أن تكون «ما» نفيا، فلا يكون لها موضع من الإعراب. قال ابن الأنباري: والوجه الأول أوجه الوجهين، وحذف الياء من ﴿يُؤْتِ﴾ في المصحف تخفيفا.
في ﴿يُخادِعُونَ﴾ .. ﴿خادِعُهُمْ﴾ وفي ﴿شَكَرْتُمْ﴾ .. ﴿شاكِراً﴾ جناس اشتقاق. وقوله:
﴿ما يَفْعَلُ اللهُ بِعَذابِكُمْ؟﴾ استفهام بمعنى النفي أي لا يعذبكم ما دمتم شكرتم نعم الله وآمنتم به.
المفردات اللغوية:
﴿يُخادِعُونَ اللهَ﴾ بإظهار خلاف ما أبطنوه من الكفر، فيدفعوا عنهم أحكامه الدنيوية. من الخداع: وهو إيهام غيرك خلاف حقيقة الشيء. ﴿وَهُوَ خادِعُهُمْ﴾ مجازيهم على خداعهم، فيفتضحون في الدنيا باطلاع الله نبيه على ما أبطنوه، ويعاقبون في الآخرة. ﴿كُسالى﴾ جمع كسلان وهو المتثاقل المتباطئ. ﴿يُراؤُنَ النّاسَ﴾ بصلاتهم، أي يقصدون بعملهم الظهور للناس ليحمدوهم عليه، وهم في داخلهم غير مقتنعين بما يعملون. ﴿وَلا يَذْكُرُونَ﴾ أي ولا يصلون.
﴿إِلاّ قَلِيلاً﴾ أي رياء. ﴿مُذَبْذَبِينَ﴾ مترددين. ﴿بَيْنَ ذلِكَ﴾ بين الكفر والإيمان. ﴿لا إِلى هؤُلاءِ﴾ لا منسوبين إلى الكفار. ﴿وَلا إِلى هؤُلاءِ﴾ ولا إلى المؤمنين. ﴿سَبِيلاً﴾ طريقا إلى الهدى.
﴿سُلْطاناً مُبِيناً﴾ حجة قوية ظاهرة أو برهانا بيّنا على نفاقكم. ﴿الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ﴾ الدرك: المكان، والأسفل من النار: هو قعرها. ﴿وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً﴾ مانعا من العذاب.
﴿وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلّهِ﴾ من الرياء. ﴿أَجْراً عَظِيماً﴾ في الآخرة وهو الجنة. ﴿وَكانَ اللهُ شاكِراً﴾ لأعمال المؤمنين بالإثابة عليها. ﴿عَلِيماً﴾ بخلقه.
المناسبة:
الآيات مكملة لما سبقها في تبيان صفات المنافقين وأحوالهم ومواقفهم.
التفسير والبيان:
إن المنافقين لجهلهم، وسذاجتهم، وقلة علمهم وعقلهم ومرضهم النفسي، وسوء تقديرهم يلجأون إلى الخداع، فيفعلون ما يفعل المخادع من إظهار الإيمان وإبطان الكفر، كما تقدم في أول سورة البقرة: ﴿يُخادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية [٩] ولا شك بأن الله لا يخادع؛ فإنه العالم بالسرائر والضمائر، ولكنهم
يظنون أن أمرهم كما راج عند الناس، وجرت عليهم أحكام الشريعة ظاهرا، فكذلك يكون حكمهم عند الله يوم القيامة، وأن أمرهم يروج عنده، كما أخبر تعالى عنهم أنهم يوم القيامة يحلفون له أنهم كانوا على الاستقامة والسداد، ويعتقدون أن ذلك نافع لهم عنده كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ الآية [المجادلة ١٨/ ٥٨].
﴿وَهُوَ خادِعُهُمْ﴾ أي مجازيهم على خداعهم، وسمي ذلك مخادعة مشاكلة للفظ الأول، مثل ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ﴾ [الأنفال ٣٠/ ٨]. أو وهو فاعل بهم ما يفعل الغالب في الخداع، حيث تركهم تطبق عليهم أحكام الشريعة في الظاهر، معصومي الدماء والأموال في الدنيا، وأعد لهم الدرك الأسفل من النار في الآخرة، ولم يخلهم في الدنيا العاجلة من فضيحة وإحلال بأس ونقمة ورعب دائم. وقد يخذلهم في الآخرة أمام الناس، فيعطون على الصراط نورا، كما يعطى المؤمنون، ثم يطفأ نورهم، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا: اُنْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ -إلى قوله- ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الحديد ١٣/ ٥٧ - ١٥].
وفي الحديث الذي رواه أحمد ومسلم عن ابن عباس: «من سمّع سمّع الله به، ومن رأيا رأيا الله به» قال ابن عباس: خداعه تعالى لهم أن يعطيهم نورا يوم القيامة يمشون به مع المسلمين، فإذا وصلوا إلى الصراط انطفأ نورهم، وبقوا في ظلمة، ودليله قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً، فَلَمّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ، ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ، وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ﴾ [البقرة ١٧/ ٢].
﴿وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى﴾ أي متباطئين متثاقلين؛ إذ لا إيمان يدفعهم إليها، ولا نية لهم فيها، ولا يعقلون معناها. هذه صفة ظواهرهم.
ثم ذكر الله تعالى صفة بواطنهم الفاسدة، فقال: ﴿يُراؤُنَ النّاسَ﴾ بها،