﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ المقت: البغض الذي يوجبه ذنب أو عيب.
وهذه الحال تكون للكفار عند دخولهم النار؛ فإنهم إذا دخلوها مقتوا أنفسهم، أي: مقت بعضهم بعضًا، ويحتمل أن يمقت كل واحد منهم نفسه، فتناديهم الملائكة وتقول لهم: مقت الله لكم في الدنيا على كفركم أكبر من مقتكم أنفسكم اليوم.
فقوله: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ﴾ مصدر مضاف إلى الفاعل، وحذف المفعول لدلالة مفعول ﴿مَقْتِكُمْ﴾ عليه.
وقوله: ﴿إِذْ تُدْعَوْنَ﴾ ظرف، العامل فيه: ﴿مَقْتُ الله﴾ من طريق
المعنى، ويمتنع أن يعمل فيه من طريق قوانين النحو؛ لأن ﴿مَقْتُ اللَّهِ﴾ مصدرٌ؛ فلا يجوز أن يُفصل بينه وبين بعض صلته، فيُحتاج أن يقدَّر للظرف عامل، وعلى هذا أجاز بعضهم الوقف على قوله: ﴿أَنفُسَكُمْ﴾، والابتداء بالظرف، وهذا ضعيف؛ لأن المراعى المعنى.
وقد جعل الزمخشري ﴿مَقْتُ اللَّهِ﴾ عاملًا في الظرف، ولم يعتبر الفصل (¬١).
فالموتة الأولى: عبارةٌ عن كونهم عدمًا، أو كونهم في الأصلاب، أو في الأرحام، والموتة الثانية: الموت المعروف، والحياة الأولى: حياة الدنيا، والحياة الثانية: حياة البعث في القيامة.
وقيل: الحياة الأولى: حياة الدنيا، والثانية: الحياة في القبر، والموتة الأولى: الموت المعروف، والموتة الثانية: بعد حياة القبر، وهذا قول فاسد؛ لأنه لا بدَّ من الحياة للبعث فتجيءُ الحياة ثلاث مرات.
فإن قيل: كيف اتصال (¬٢) قولهم: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ بما قبله؟
فالجواب: أنهم كانوا في الدنيا يكفرون بالبعث، فلما دخلوا النار مقتوا أنفسهم على ذلك، فأقروا به حينئذ؛ ليُرضوا الله بإقرارهم حينئذ، فقولهم: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ إقرارٌ بالبعث على أكمل الوجوه؛ طمعًا منهم أن
يخرجوا عن المقت الذي مقتهم الله؛ إذ كانوا يُدعون إلى الإيمان فيكفرون.
﴿فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا﴾ الفاء هنا رابطة معناها التَّسبيب.
فإن قيل: كيف يكون قولهم: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ سببًا لاعترافهم بالذنوب؟
فالجواب: أنهم كانوا كافرين بالبعث، فلما رأوا الإماتة والإحياء قد تكرَّرا عليهم علموا أن الله قادرٌ على البعث فاعترفوا بذنوبهم، وهي إنكار البعث وما أوجب لهم إنكاره من المعاصي، فإن مَنْ لا يؤمن بالآخرة لا يبالي بالوقوع في المعاصي.
والأحسن: أن تكون إشارةً إلى ما يقتضيه سياق الكلام، وذلك أنهم لما قالوا: ﴿فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ كأنهم قيل لهم: «لا سبيل إلى الخروج»، فالإشارة بقوله: ﴿ذَلِكُم﴾ إلى عدم خروجهم من النار.
﴿يُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ يعني: العلامات الدالة عليه؛ من مخلوقاته ومعجزات رسله.