ربّ السموات والأرض وخالقهما ومالكهما وما فيهما، وهو الواحد القهّار، يحيي الأموات ويميت الأحياء، فلا يجوز أن يشرك به غيره ممن لا يقدر على خلق شيء، ومالك الناس عند نزول القرآن ومالك من تقدّم منهم ومالك من سيوجد إلى يوم القيامة، فما على الناس إلا اتّقاء تكذيب النّبي محمد ﷺ لئلا ينزل بهم العذاب.
ثانيا-أظهر الله تعالى حقيقة اعتقاد المشركين مبيّنا أنهم ليسوا في الواقع على يقين فيما يظهرونه من الإيمان والإقرار في قولهم: إن الله خالقهم، وإنما يقولونه تقليدا لآبائهم من غير علم ولا حجة ولا برهان، فهم في شكّ بيّن، وإن توهّموا أنهم مؤمنون، فهم يلعبون في دينهم على وفق أهوائهم من غير حجّة.
﴿أَنّى لَهُمُ الذِّكْرى﴾﴿الذِّكْرى﴾: مبتدأ، و ﴿أَنّى لَهُمُ﴾: خبره.
﴿يَوْمَ نَبْطِشُ..﴾. ﴿يَوْمَ﴾: منصوب على الظرف، والعامل فيه: إما فعل مقدر، يدلّ عليه ﴿مُنْتَقِمُونَ﴾ أي ننتقم يوم نبطش، ولا يجوز تعلّقه بقوله: ﴿إِنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ لأن ما بعد (إن) لا يعمل فيما قبلها، أو يكون العامل فيه ﴿إِنّا كاشِفُوا الْعَذابِ.﴾ ..
﴿فَارْتَقِبْ﴾ انتظر. ﴿بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ بيّن واضح، والمراد من الدّخان: يوم الشدّة والمجاعة في الماضي، فإن الجائع يرى ما فوقه إلى السّماء ظلاما من شدّة الجوع، وضعف البصر، كهيئة الدّخان، وفي المستقبل يمكن تفسير الدّخان بالغبار الذّري الذي يهدّد البشرية بالموت ويعقبه ظلام.
﴿يَغْشَى النّاسَ﴾ يحيط بهم من كلّ جانب، وهو صفة للدّخان. ﴿هذا عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ أي يقولون: هذا عذاب مؤلم، ويقولون: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ، إِنّا مُؤْمِنُونَ﴾ مصدّقون بك وبنبيّك، وهذا وعد بالإيمان إن كشف العذاب عنهم.
﴿أَنّى لَهُمُ الذِّكْرى﴾؟ أي من أين لهم، وكيف يتذكرون في هذه الحال؟ المعنى:
لا ينفعهم الإيمان عند نزول العذاب. ﴿وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ﴾ بيّن الرّسالة، بيّن لهم بالآيات والمعجزات ما يوجب الإيمان والتّذكّر. ﴿مُعَلَّمٌ﴾ أي يعلمه غيره القرآن، قالوا: يعلمه غلام رومي لبعض ثقيف.
﴿قَلِيلاً﴾ كشفا قليلا أو زمنا قليلا، وهو ما بقي من أعمارهم. ﴿إِنَّكُمْ عائِدُونَ﴾ إلى الكفر، فعادوا إليه بعد كشف العذاب.
﴿نَبْطِشُ﴾ نأخذ بقوة وشدة، والبطش: الأخذ الشديد، والبأس. ﴿الْبَطْشَةَ الْكُبْرى﴾ يوم القيامة أو يوم بدر. ﴿إِنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ ننتقم منهم بسبب كفرهم.
سبب النّزول:
نزول الآية (١٠):
﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ﴾: أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن مسعود قال: إن قريشا لما استعصوا على النّبي ﷺ، دعا عليهم بسنين كسنيّ يوسف، فأصابهم قحط، حتى أكلوا العظام، فجعل الرّجل ينظر إلى السماء، فيرى ما بينه وبينها كهيئة الدّخان من الجهد، فأنزل الله: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ فأتوا رسول الله ﷺ، فقالوا: يا رسول الله، استسق الله لمضر، فإنها قد هلكت، فاستسقى، فسقوا، فنزلت.
﴿إِنَّكُمْ عائِدُونَ، يَوْمَ نَبْطِشُ..﴾. أخرج البخاري في تتمة الرواية السابقة:
فلما أصابتهم الرّفاهية عادوا إلى حالهم، فأنزل الله: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى، إِنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ فانتقم الله منهم يوم بدر.
المناسبة:
بعد أن وصف الله تعالى المشركين بأنهم في شكّ من التّوحيد والبعث وقدرة الله، ذكر تعالى أوصاف يوم العذاب الذي سيحلّ بهم في الدّنيا والآخرة، تهديدا لهم، وتسلية لرسوله، وأنه لا يؤمل اتّعاظهم بالرغم من تهديدهم وإظهار المعجزات والبيّنات على يد رسول الله، ووصفهم له بأنه معلّم مجنون.
التفسير والبيان:
﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ هذا توعّد من الله وتهديد للمشركين، يقول الله فيه لنبيّه: فانتظر اليوم الذي تأتي فيه السماء بهيئة كالدّخان الواضح المنتشر في الفضاء، وهذا الدّخان بالنسبة للماضي هو ما أصاب قريشا من الجدب والقحط مدة سبع سنين، بدعاء النّبي ﷺ، حتى كان الرجل يرى من شدّة الجوع ما بين السماء والأرض دخانا، لضعف البصر وزيغانه، كما تقدّم في بيان سبب النّزول عن ابن مسعود ﵁، أو هو غبار الحرب يوم بدر.
وأما بالنسبة للمستقبل فهو أمارة وعلامة من أشراط الساعة، يمكث في الأرض أربعين يوما، حيث يظهر في الفضاء غبار ذري أو غيره كالدّخان، يجعل الجو مظلما، وهذا ما أكّده العلماء في نهاية العالم، حيث تضعف الطاقة الشمسية.