بعضهم أَنصار بعض وأَعوان لهم على الباطل، فلا تُوَالهم باتِّباع أَهوائهم، ودم على ما أَنت عليه مِنْ مُوَالَاتك لله - سبحانه - والإعراض عمن سواه واتِّباع شريعته، فذلك خُلُق المتقين وأنت قدوتهم وإمامهم، والله ناصرهم وَوَلِيهم، وشَتَّان بَيْنَ مَنْ كان وليُّه الشَّيطان ومَنْ كان وليّه الرَّحمن وما أَبْيَن الْفَرْق بين الولايتين.
أَي: هذا القرآن الَّذى أُنزل عليك معالم للنَّاس ودلائل تبصِّرهم بالدِّين الحقّ، وهو هُدى يعصمهم من الضَّلالة ويُرْشدهم إلى طريق الخير ومسالك البرّ، ورحمة من العذاب لقوم يطلبون اليقين، فإذا عرفوا دليل الحق آمنوا به ولم يجادلوا فيه.
استئناف مسوق لاستنكار التَّسوية بين حال المسيئين والمحسنين.
سبب النزول:
جاءَ في البحر عن الكلبي أَن عُتبة وشيبة والوليد بن عُتبة قالوا لعليّ - كرم الله وجهه - ولحمزة ﵁ وللمؤمنين: والله ما أنتم على شيء ولئن كان ما تقولون حقًّا لَحَالُنَا أَفضل من حالكم في الآخرة كما هو أَفضل في الدَّنيا، و (أَمْ) في الآية بمعنى بل والهمزة لإنكار الحسبان، أي: بل أحَسِب.
والمعنى: بل أَحسب الَّذين اكتسبوا ما يسئ إليهم من الكفر والآثام أن نُصَيِّرهم كالذين آمنوا وعملوا الصَّالحات ونُسَوِّى بين الفريقين بعد الممات بالجنة ونعيمها كما يزعم الكافرون؟! قَبُحَ ما يَقْضُون به مِن الحُكْم الجائر الَّذى يُسَوِّى بين المحسنين والمسيئين، فإنهم وإن تساووا محيا في نحو الرزق والصحة لا يستوون مماتا، فالمؤمنون في روضة يحبرون، والكافرون في النار خالدون، وقال الزَّمخشرى: المعنى إنكار أَن يستوى المحسنون والمسيئون محيا وأَن يستووا مماتا لافتراق أَحوالهم في ذلك، والآية مُتَضَمِّنة للرد على الكفَّار كما يُعرف بأدنى تدبّر؛ لأَنَّ الله إِذا أَنكر عليهم المُساواة فكيف بالأَفضليّة؟! قال ابن عطيّة: إنَّ لفظ الآية يعطى أنَّ اجتراح السيئات هو اجتراح الكفر لمعادلته بالإيمان.
الآية الكريمة دليل على إنكار حسبانهم السابق؛ لأَن خلق العالم بالحقّ المقتضى للعدل يستدعى انتصاف المظلوم من الظَّالم والتَّفَاوت بين المسئ والمحسن، وإذا لم يكن في الْمَحْيَا كان بعد الممات حقًّا، والمعنى: وخلق الله السَّموات والأرض بالحكمة والصّواب دون العبث والباطل، وأَقام نظامهما على العدل والإِنصاف لتظهر دلائل أُلوهيته وأمارات قدرته وحكمته، ولتُجْزى كلّ نفس بما فعلت من خير أَو شرّ وهم لا يُظْلمُون بنقص ثواب أَو زيادة عقاب، وذلك منه تفضُّل وكرم؛ لأَنَّ الخلق عبيده يفعل بهم ما يشاء، ولكن شاءَت حكمته وعدله ذلك ووعد به، ووعده لا يتخلَّف.