تنبت لنا الزروع والأشجار، والحب ذا العصف والريحان، جعل البحرين لنأكل منهما لحمًّا طريًّا، ونستخرج منهما حلية نزدان بها، فكل من البرِّ والبحر أساس حياتنا وزينتنا، وكل ذلك آلاء ونعم لا يمكن تكذيبها وإنكارها، فبأَيهما تكذبان أيها الثقلان.
ولله من النعم على عباده السفن التي تجرى في البحر، تحمل الناس وما يتَّجرون فيه من قطر إلى قطر، ومن مكان إلى مكان، وهذه السفن منشآت - أي: مرفوعات كالجبال فوق ظهر الماء بقدرته - تعالى - فهي ملك له - جل وعلا - فهو الذي خلق ما صنعت منه، وهو الذي يجريها فوق سطح الماء ويحفظها من الغرق في رحلاتها الطويلة والقصيرة، فيسلم أهلها وتجارتهم، فهي لله خلقًا وملكًا أو تصرفا، ولا يمنع ذلك ملك الناس لها، فهو الذي أرشدهم إلى كيفية صناعتها وإجرائها في مختلف البحار، فكل أمورها ترجع إلى الله - تعالى - فهي وأهلها لله رب العالمين، فبأى نعم الله في شأن السفن الجوارى تكذبان يا معشر الثقلين.
الضمير في عليها يرجع إلى الأرض التي وضعها الله للأنام، والمراد من وجه الله: ذاته - جل وعلا - فإضافة لفظ "وجه" إلى لفظ "رب" إضافة بيانية، فكأنه قيل: ويبقى ربك، واستعمال الوجه بمعنى الذات مجاز مرسل، ومثل ذلك شائع في لغة العرب، وهذا هو تفسير الخلف، مَنْعًا لاعتقاد أن لله وجهًا يشبه وجه الإنسان، وأنه جزءٌ من ذاته، فإن ذلك كفر، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾.
أما السلف فيقولون: إن لله وجهًا لا كوجه الإنسان، فالمماثلة للخالق ممنوعة، وذهب بعض العلماء إلى تأويلات أخرى، وحسب القارئ ما تقدم.
وجلالُ الله عَظَمته، وإكرامه - تعالى - هو تنزيهه عمَّا لا يليق به من الشرك وسواه من صفات النقص، كما تقول: أنا أكرمك عن كذا أي: أنزهك عنه، والله - تعالى - متصف بهما، سواءٌ أجلَّه ونزهه الناس، أم لم يفعلوا ذلك.
والله - تعالى - يعدد في هذه السورة آلاءَه ونعمه، فما وجه ذكر الفناء للخلق في آلائه - تعالى -؟ والجواب: أن الفناءَ باب للبقاء والحياة الأبدية في جنة عرضها السموات
والأرض، وقال الطيبى: المراد من قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ ملزوم معناها؛ لأنها كناية عن مجئ وقت الجزاء، وهو من أَجَلِّ النعم على المؤمنين، ولذلك خص الجلال والإكرام بالذكر، لأنهما يدلان على الإثابة والعقاب، تبشيرًا للمؤمنين، وتحذيرًا للعباد من ارتكاب ما يترتب عليه العقاب، ولذلك رتب عليها بالقاء قوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾.
المراد بمن في السموات والأرض: أهلهما من الملائكة والإنس والجن وغيرهم ممن لا يعلمهم إلا الله - تعالى - فالله ﷾ لم يجعل الجنة كعرض السموات والأرض لأهل هذه الأرض، بل لهم ولغيرهم من المكلفين فيهما ممن نعلمه ومن لا نعلمه، فقد جاء في القرآن أن الأرض سبع كالسموات، قال تعالى في آخر سورة الطلاق: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ وكان ابن عباس يرى أن الأرضين الأخرى بها مكلفون مثلنا، كما أن سكان السماء لا نستطيع القطع بأنهم الملائكة فحسب، فقد يكون فيهن سكان عقلاء مكلفون، فلهذا جعل الله الجنة كعرض السماء والأرض، لكي تتسع للمكلفين فيهن، والله - تعالى - أعلم.
والمراد من كل يوم كل وقت من الأوقات، ولحظة من اللحظات، والمراد من الشأن الشئون المختلفة، فهو مفرد في معنى الجمع، كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ أي: أطفالًا.
وشئون الله تعالى في كل لحظة لا تعد ولا تحصى، كما أن كلامه لا يعد ولا يحصى، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ (¬٢)، ومن شئونه - جل وعلَا - أنه ينشيء أشخاصًا ويفنى آخرين، ويغفر