﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾: لمَّا ذكر أن له ملكُ ما حوى المكان من السماوات والأرض، ذكر أن له ما حوى الزَّمان، واشتمل عليه المَلَوَان (¬١)، وكل واحد من المكان والزمان وإن كان مستلزمًا للآخَر، لكن التَّنصيص عليهما أبلغُ في مقام التَّقرير والبسط، وقدَّم المكان لأنَّه أقرب إلى العقول والأذهان من الزَّمان (¬٢).
والظَّاهر أنه استئنافُ إخبارٍ وليس مندرِجًا تحت ﴿قُلْ﴾.
و ﴿سَكَنَ﴾ مِن السُّكنى، وهو يتعدَّى بـ (في) كما يتعدَّى بنفسه يقال: سكنوا الدَّار، وسكنوا فيها، لا من السكون على الاكتفاء بأحد الضِّدين عن الآخر؛ لأنَّه لا يناسب البسط الظَّاهر قصدُه من تفصيل قُطرَي المكان وصِنْفَي الزَّمان.
﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ وعيدٌ للمشركين على أقوالهم وأفعالهم.
﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا﴾ أَدخل همزة الاستفهام على الاسم دون الفعل؛ لأن الإنكار يتوجَّه إلى اتخاذ الغير وليًّا، لا إلى اتخاذ (¬٣) الولي مطلقًا، ولا دخل في ذلك لتقديم المفعول؛ لأنَّه لازم لدخول همزة الاستفهام، فكان ثابتًا تبعًا له. وإنما عبَّر
عن المعبود بالولي لأن (¬١) أوَّل درجة العبادة لشخصٍ اتِّخاذه وليًّا، فكان نفيُه أبلغ (¬٢).
﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: مبدعِهما، وجرَّه على الصِّفة لـ ﴿اللَّهِ﴾، فإنه بمعنى الماضي، ويؤيده قراءة: (فَطَر) (¬٣).
ويجوز أن يكون بدلًا، ويرجِّحه أن الفصل بين المبدَل منه والبدل أسهل من الفصل بين المنعوت والنَّعت، بناء على ما هو المشهور من أن البدل على تكرار العامل.
وقرئ بالرفع والنصب على المدح (¬٤).
والجملة تقريرٌ لإنكار اتخاذ غير الله تعالى وليًّا وتعليلٌ له، وكذا قوله: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾، أي: المنافع كلُّها من عنده، ولا يجوز عليه الانتفاع، فخصوص الطُّعم غير ملحوظ، بل هو من باب تنزيل جزء الشَّيء (¬٥) منزلة كلِّه.
وقرئ: (ولا يَطْعَم) بفتح الياء (¬٦).
وبعكس الأول (¬٧) على أن الضمير لـ (غير الله) تعالى، فإن الكلام وإن كان مع
عبدة الأصنام إلا أنه نظر إلى عموم غير الله تعالى، وتغليب أولي النُّهى لأن فيه إنكار أن تصلح الأصنام للألوهية بطريقِ الأَولى، والمعنى: كيف أُشرك بمن هو فاطر السماوات والأرض ما هو نازلٌ عن مرتبة الحيوانيَّة.
وببنائهما للفاعل (¬١)، على أنَّ الثَّاني من أَطْعَمَ بمعنى اسْتَطْعَم (¬٢)، أو على أنه يُطعم تارةً ولا يُطعم أخرى؛ أي: وهو الباسط والقابض بحسب الحكمة والمصلحة (¬٣)، كقولك: هو يعطي ويمنع.
﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾؛ لأنَّ النَّبيَّ ﵇ سابقُ أمَّتهِ في الإسلام، وهذا على طريق التَّحريض على الإسلام، كما يأمر الملك رعيَّته بأمرٍ ثم يُتْبعه بقوله: أنا أول مَن يفعل ذلك؛ ليَحملهم على فعله.
﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ عطفٌ على معنى قوله: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ﴾ فإنه بمعنى: قيل لي: كُنْ أوَّل مَن أسلم، فلا حاجة إلى تقدير: (وقيل لي: لا تكونن) (¬٤)؛ أي: أُمِرْتُ بالمسارعة إلى الإسلام، ونُهِيْتُ عن الشِّرك.
ولتعلُّق الأمر بالمسارعة دون نفْس الإسلام لم يؤكَّد تأكيدَ النَّهي المتعلِّق بنفس (¬٥) الشرك.