وإنما أضاف الشُّهداء إليهم لأنها لو أُطلقت لكان المعنى: هلم ناسًا يشهدون، فكان ظاهره طلبَ الشُّهداء بالحقِّ، وذلك فاسد.
﴿الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا﴾؛ يعني: مرتضاهم وقدوتَهم، أمَرهم بإحضارهم ليُلزمهم الحجَّةَ ويُبكِّتَهم، فيظهرَ للمشهود لهم عند انقطاعهم أنهم ليسوا على شيء، ولهذا قال:
﴿فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾: فلا تصدِّقهم، ولا تسلِّم لهم، كنَّى عن ذلك بالشَّهادة معهم مبالغةً في النَّهي؛ دلالةً على أنَّ الإصغاء إليهم دخول في عداد الشهداء بالباطل (¬١).
﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ من باب وضع الظَّاهر موضع الضَّمير، للدّلالة على أن المكذِّب بآيات الله تعالى لا يكون إلا متَّبع الهوى؛ إذ لو اتَّبع الدَّليلَ والعقل لكان مصدّقًا بها.
﴿وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ كعبدة الأوثان ﴿وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾: يجعلون له تعالى عديلًا.
﴿أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾﴿مَا﴾ موصولة منصوبة ب ﴿أَتْلُ﴾، أو استفهامية منصوبة بـ ﴿حَرَّمَ﴾، والجملة في محل النَّصب بـ ﴿أَتْلُ﴾؛ لأن التِّلاوة من باب القول (¬١)؛ أي: أتلُ أيَّ شيءٍ حزَم ربُّكم.
﴿عَلَيْكُمْ﴾ متعلقة بـ ﴿حَرَّمَ﴾، و (أنْ) في قوله (¬٢): ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ مفسِّرة، و (لا) للنَّهي؛ لعطف الأوامر عليه في قوله: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾؛ لأن تقديره: وأحسنوا بالوالدين إحسانًا (¬٣).
وعطفُ الأوامر على النَّواهي الواقعة بعد (أنْ) المفسِّرةِ لتلاوة المحرَّمات - مع القطع بأنَّ المأمور به لا يكون محرَّمًا - دل على أنَّ التَّحريمَ راجعٌ إلى أضدادها، وذلك أنَّه لمَّا علَّقَ (¬٤) التِّلاوة بالتَّحريم إجمالًا ثم فسَّره بالتَّفصيل، وجبَ أن تكون التفاصيلُ كلُّها منهيَّاتٍ محرَّماتٍ، لكنْ عدلَ في بعضها إلى الأمر بأضدادها مبالغةً في النَّهي، وتنبيهًا على أن أضدادها واجبة، فيلزمها النَّهي عنها بأبلغ الوجوه.
ويحتمِل أن تكون الأوامر معطوفة على المناهي وداخلةً تحت (أنْ) التفسيرية (¬٥).
﴿شَيْئًا﴾ يحتمل المصدر والمفعول، ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾؛ أي: وأحسنوا
بهما (¬١) إحسانًا، وضعه موضع النَّهي عن الإساءة إليهما؛ للدلالة على أن ترك الإساءة في شأنهما غير كافٍ، بخلاف غيرهما.
ولك أن تقول: إنها معطوفة على قوله: ﴿أَتْلُ مَا حَرَّمَ﴾، أمَرهم أوَّلًا بأمرٍ ترتَّب عليه ذِكْرُ مَنَاهٍ، ثم أمرهم ثانيًا بأوامر، ويتبعها المبالغة في النَّهي.
﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ﴾ النَّهي مطلقٌ، وإنَّما قال: ﴿مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ ظهارًا لسوء صنيعهم؛ فإنهم كانوا يفعلون ذلك من أجله.
في "الأساس": أملَقَ الرَّجلُ: أنفق ماله حتى افتقر (¬٢).
ولما كان الإملاق باعتبار بدايته إنفاقاً وباعتبار نهايته فقرًا جاز استعمالُه في كلِّ منهما.
وقد قيل: الخطاب هنا للفقراء، ولذا (¬٣) قدِّم رزقُهم فقيل: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ منعًا لموجَب (¬٤) ما كانوا يفعلون لأجله، واحتجاجًا عليهم، فناسب أن يفسَّر الإملاق هنا بالفقر، والخطاب في ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١] للأغنياء، ولذا قدِّم رزقُ أولادهم، فقيل: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ [الإسراء: ٣١]، فناسب أن يفسَّر الإملاق ثمَّة بالإنفاق.