تدرسون: أي تقرءون، تخيرون: أي تختارون، أيمان: أي عهود، بالغة:
أي متناهية فى التوكيد موثّقة، إلى يوم القيامة: أي ثابتة لكم علينا إلى هذا اليوم، أيهم بذلك زعيم: أي أيهم كفيل بذلك الحكم وأن لهم فى الآخرة ما للمسلمين فيها، كشف الساق: يراد به الشدة، وقد كانوا إذا ابتلوا بشدة كشفوا عن الساق.
قد شمّرت عن ساقها فشدوا ... وجدّت الحرب بكم فجدّوا
روى عن ابن عباس أنه سئل عن هذه الآية فقال: إذا خفى عليكم شىء من القرآن فابتغوه فى الشعر فإنه ديوان العرب. أما سمعتم قول الراجز:
قد سن لى قومك ضرب الأعناق ... وقامت الحرب بنا على ساق
خاشعة أبصارهم: أي ذليلة، سالمون: أي أصحاء.
المعنى الجملي
بعد أن ذكر سبحانه حال أهل الجنة الدنيوية وما أصابهم فيها من النقمة حين عصوه وخالفوا أمره- أعقب هذا ببيان أن لمن اتقاه وأطاعه جنات النعيم التي لا تبيد ولا تفنى فى الدار الآخرة، ثم ردّ على من قال من الكفار: إن صح أنا نبعث كما يزعم محمد وصحبه، لم يفضلونا بل نكون أحسن منهم حالا، لأن من أحسن إلينا فى الدنيا يحسن إلينا فى الآخرة- بأنكم كيف تسوّون بين المطيع والعاصي فضلا عن أن تفضلوا العاصي عليه، ثم أخذ يقطع عليهم الحجة فقال: أتلقيتم كتابا من السماء فقرأتم فيه أنكم تختارون ما تشاءون، وتكونون وأنتم مجرمون كالمسلمين الصالحين، أم أعطينا كم عهودا أكدناها بالأيمان فاستوثقتم بها فهى ثابتة لكم إلى يوم القيامة؟
أم لكم أناس يذهبون مذهبكم فى هذا القول، وإن صح أن لكم ذلك فلتأتوا بهم يوم يشتد الأمر، ويصعب الخطب. وتدعونهم حينئذ إلى السجود فلا يستطيعون، وتكون أبصارهم خاشعة ذليلة، وقد كانوا يدعون فى الدنيا إلى السجود وهم سالمون أصحاء، فيأبون كل الإباء.
الإيضاح
(إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ) أي طن لمن اتقوا ربهم فأدّوا فرائضه، واجتنبوا نواهيه، جنات ينعمون فيها النعيم الخالص الذي لا يشوبه كدر ينغصه كما يشوب جنات الدنيا.
قال مقاتل: لما نزلت هذه الآية قال كفار مكة للمسلمين: إن الله فضلنا عليكم فى الدنيا فلا بدّ أن يفضلنا عليكم فى الآخرة، فإن لم يحصل التفضيل فلا أقل من المساواة، فرد الله عليهم ما قالوا وأكد فوز المتقين بقوله:
(أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ؟) أي أفنحيف فى الحكم ونسوى بين هؤلاء وهؤلاء فى الجزاء، كلا ورب الأرض والسماء.
ثم عجّب من حكمهم واستبعده، وبين أنه لا يصدر من عاقل فقال:
(ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ؟) أي ماذا حصل لكم من فساد الرأى وخبل العقل حتى قلتم ما قلتم؟
ثم سدّ عليهم طريق القول، وقطع عليهم كل حجة يستندون إليها فيما يدّعون فقال:
(أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ. إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ) أي أفبأيديكم كتاب نزل من السماء تدرسونه وتتداولونه، ينقله الخلف عن السلف، يتضمن حكما مؤكدا كما تدّعون، أن لكم ما تختارون وتشتهون، وأن الأمر مفوض إليكم لا إلى غيركم؟
وخلاصة هذا- أفسدت عقولكم حتى حكمتم بهذا، أم جاءكم كتاب فيه تخييركم وتفويض الأمر إليكم؟.
(أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ) أي أم معكم عهود منا مؤكدة لا نخرج من عهدتها إلى يوم القيامة أنه سيحصل لكم كل ما تهوون وتشتهون؟.
وخلاصة ذلك- أم أقسمنا لكم قسما إن لكم كل ما تحبون؟.
ثم طلب إلى رسوله ﷺ أن يسألهم على طريق التوبيخ والتقريع فقال: