قوله: (بين الجملتين)، يعني قوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾، وقوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾، وذلك أن مراده أنه ليس من عند الله، وأنه من عند البشر؛ فكونه سحراً لا يكون من عند الله، بل يكون من عند البشر، فكان قوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾، من هذا الوجه توكيداً لمتبوعه، ولذلك قال: "أُجري مجرى التوكيد".
قوله: (﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ بدل من ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾)، هذا إنما يستقيم، إذا جعل مثلاً لما يلقى من العذاب الشاق، وإذا قيل: إنه يكلف أن يصعد عقبة في النار، فلا؛ لقوله: ﴿لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ﴾ [المدثر: ٢٨].
أو لا تبقي على شيء ولا تدعه من الهلاك، بل كل ما يطرح فيها هالك لا محالة. (لَوَّاحَةٌ) من لوح الهجير، قال:
تقول: ما لاحك يا مسافر؟ … يا ابنة عمّى لاحنى الهواجر
قيل: تلفح الجلد لفحة فتدعه أشد سواداً من الليل، والبشر: أعالي الجلود. وعن الحسن: تلوح للناس، كقوله: (ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ اليَقِينِ) [التكاثر: ٧]. وقرئ: «لواحة» نصباً على الاختصاص للتهويل.
(عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ) أي يلي أمرها ويتسلط على أهلها تسعة عشر ملكاً، وقيل: صنفاً من الملائكة، وقيل: صفاً وقيل: نقيباً. وقرئ: «تسعة عشر» بسكون العين لتوالي الحركات في ما هو في حكم اسم واحد، وقرئ: «تسعة أعشر» جمع عشير، مثل: يمين وأيمن، جعلهم ملائكة لأنهم خلاف جنس المعذبين من الجن والإنس، فلا يأخذهم ما يأخذ المجانس من الرأفة والرقة، ولا يستروحون إليهم، ولأنهم أقوم خلق الله بحق الله وبالغضب له،
فتؤمن هوادتهم، ولأنهم أشد الخلق بأساً وأقواهم بطشاً. عن عمرو بن دينار: واحد منهم يدفع بالدفعة الواحدة في جهنم أكثر من ربيعة ومضر، وعن النبي ﷺ: «كأن أعينهم البرق، وكأن أفواههم الصياصي يجرون أشعارهم، لأحدهم مثل قوة الثقلين، يسوق أحدهم الأمة وعلى رقبته جبل فيرمي بهم في النار ويرمي بالجبل عليهم». وروي أنه لما نزلت (عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ)،
أما القراءة بسكون العين، فلأجل كثرة الحركات؛ فإن الاسمين جعلا كالاسم الواحد، فلم يوقف على الأول فيحتاج إلى الابتداء بالثاني، فلما أُمن ذلك أُسكن تخفيفاً، وجُعل ذلك أمارة لقوة الاتصال، ولا يجوز ذلك مع اثنا عشر. وقال أبو جعفر: تسعة أعشر لا وجه له، إلا أن يعني تسعة أعشر، جمع العشير"، وهم الأصدقاء. ورُوي عن المصنف أنه قال: "أي: تسعة من الملائكة، كل واحد منهم عشير لتسعة، فهم مع أتباعهم تسعون، والعشير العُشر، أي: النُّقباء تسعة".
قوله: (فتؤمن هوادتهم)، الأساس: "ما في فلان هوادة رفق ولين".
قوله: (وكأن أفواههم الصياصي)، أي: أنيابهم، كذا في "المعالم" و"الوسيط".
الأساس: "صئصئة الديك: مخلبه في ساقه. وأسنة كصياصي البقر وهي قرونها، والصياصي: الحصون".