٥ - وخُتِمَت السُّورة بذكر الدليل الذي يُوجِب الإِيمان بالبعث لأَن الذي خلق الإِنسان من نطفة وسَوَّاه بشرًا سويًّا قادر على أَن يحيَى الموتى يوم القيامة لحسابهم على أَعمالهم لأَنَّ الإِعادة أَهون من البدءِ في قياس العقل وهو سبحانه على كل شيءٍ قدير: (أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى … ) الخ.
(لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ): قيل: إِن (لَا) نفى لكلام ورَدٌّ له قبل القسم .. والمعنى: أقسم -على سبيل التوكيد- بيوم القيامة، وقيل: إِن (لَا) هنا لتوكيد القسم وتقويته.
(بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ): النفس التي تلوم صاحبها على الخير لِمَ لَمْ تستكثر منه وعلى الشر لِمَ فعلته؟
(أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ): أَيظن الكافر أَنَّا لا نقدر على إِعادة عظامه وجمعها من أَماكنها المتفرقة.
(نُسَوِّيَ بَنَانَهُ): في القاموس البنان: الأَصابع أَو أَطرافها وتسويتها إِعادتها كما كانت مع صغرها.
(بَلْ يُرِيدُ الإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ): يريد الكافر أَن يدوم على الفجور مدة عمره.
(يَسْأَلُ): أَي يسأَل سؤال استهزاءٍ وتكذيب.
(أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ): متى تقوم الساعة؟
(بَرِقَ الْبَصَرُ): بفتح الراءِ وكسرها: دهش وتحير فزعًا ممَّا رأَي من أَهوال يوم القيامة.
(وَخَسَفَ الْقَمَرُ): ذهب ضوؤه أَو غاب.
(وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ): قُرِن بينهما في الطلوع من المغرب.
(أَيْنَ الْمَفَرُّ): المَفَرّ بفتح الفاءِ وبه قرأَ الجمهور مصدر أَي أَين الفرار من أَهوال يوم القيامة؟ وبكسر الفاءِ وبها قرأَ ابن عباس المكان الذي يُفَرّ إِليه من ملجأ أَو موئل.
(كَلاَّ): ردع عن طلب الفرار أَو المَفرّ.
(لا وَزَرَ): لا ملجأَ وكل ما التجأْت إِليه من جبل أَو غيره وتحصنت فهو وزَرَ.
(إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ): أَي استقرار العباد أَو مستقرهم أَي وضع قرارهم من جنة أَو نار في يوم القيامة إِلى ربك وحده.
(يُنَبَّأُ الإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ): أَي يُخبر الإِنسان يومئذ بما قدم من عمل عمله وبما أَخر فلم يعمله.
(عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ): حجة واضحة بينة على نفسه شاهدة بما صدر عنه من الأَعمال.
(وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ): أَي ولو جاءَ بكل معذرة ما قبلت منه.
والمعاذير: جمع مَعْذِرة بمعنى العذر على خلاف القياس، وقيل: اسم جمع، وقال السدي والضحَّاك:
المعاذير: السُّتور بلغة أَهل اليمن واحدها مِعْذار.
التفسير:
١ - (لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ):
قال الزمخشري: إِدخال لا النافية على فعل القسم مستفيض في كلامهم وأَشعارهم قال امرؤ القيس:
فلا وأبيكِ ابنه العامِريِّ … لا يَدَّعِي القوْم أَني أَفر
وفائدتها توكيد القسم، والوجه أَن يقال: هي للنفي، والمعنى في ذلك أَنه لا يُقسم بالشيءِ إِلاَّ إِعظامًا له بذلك، وعليه قوله تعالى: "فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ) (¬١) فكأَنهُ بإِدخاله حرف النفي يقول: إِن إِعظامي له بإِقسامي به كلا إِعظام، يعني أَنه يستأْهل فوق ذلك، وقيل: إِن (لَا) نفي لكلام ورَدٌّ له قبل القسم، كأَنهم أَنكروا البعث فقيل: (لَا) أَي ليس الأَمر على ما ذكرتم، ثم قيل: أُقسم بيوم القيامة … أهـ كشاف ملخصًا بتصرف.
قال القرطبي: حكى أَبو الليث السمرقندي أَنه قال: أَجمع المفسرون أَن معنى (لا أُقْسِمُ): أُقسم والإِتيان بلا صلة، أَي زيادة يجري كثيرًا في كلام العرب وقد ورد منه في القرآن قوله تعالى: "قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ" (¬٢) أَي أَن تسجد: والمعنى أُقسم وأُؤكد القسم بيوم القيامة أَي بيوم يقوم الناس فيه لربهم للجزاءِ والحساب.