إِن المعصرات الرياح؛ لأَنها، تعصر السحاب فيمطر، ولما كان المطر يسببها سميت معصرات والأَصل في المطر تكاثف أَبخرة المياه المتصاعدة من المحيطات والبحار ونحوها على شكل سحب، وتحويلها إِلى نقط من الماء أَو حبات من الثلج، أَو هما معًا.
(مَاءً ثَجَّاجًا) أَي: منصبًا بكثرة متتابعًا كما قال مجاهد وقتادة والثوري وابن زيد.
١٥ - (لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا):
أَي: لنوجد بهذا الماء الكثير المنافع ما يدخر للأَناسي والأَنعام ويقتات به كالقمح والشعير وما يؤكل خضرًا ويابسًا كالحشيش والتبن، وتقدم الحب مع تأَخره في الإِخراج عن النبات لأَصالته وشرفه، لأَن غالبه غذاء الإِنسان.
١٦ - (وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا):
أَي: ولنخرج به بساتين وحدائق، وأُطلِق عليها (جَنَّاتٍ) لأَن بكل منها أَشجارًا تستر وجه الأَرض، وقال الفراء: الجنة: ما فيها النخيل، والفردوس: ما فيه الكْرم.
(أَلْفَافًا): أَي: إِن هذه الجنات ذات الثمار المتنوعة والألوان المختلفة والطعوم المتميزة والروائح الطيبة قد التفت أَغصانها، وتشابكت أَفنانها وتداخل بعضها ببعض، لتقارب أَشجارها وتكامل نموها.
(مَاكِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا): دهورًا متتابعة لا نهاية لها، جمع حُقُبٍ -بضم وسكون، وبضمتين- وفسر بالدهر أَو السنة أَو السنين، وعن ابن مسعود أنه ثمانون سنة، وعن أَبي هريرة وعبد الله بن عمرو وابن عباس وغيرهم أَنه سبعون سنة.
(حَمِيمًا): الحميم: هو الماء البالغ الغاية في الحرارة.
(وَغَسَّاقًا): وهو ما يسيل من أَهل النار من الصديد، وفي القاموس: البارد المنْتِن.
(كِذَّابًا): أَي: تكذيبًا شديدًا، ومجيء (فِعَّال) بمعنى (تفعيل) في مصدر (فَعَّلَ) سائغ في الفصيح، وعن الفراء أَنها لغة يمانية.
التفسير
١٧ - (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا):
بعد أَن بين الله لهم بهذه الدلائل المشاهدة قدرته الباهرة ليزمهم الحجة في أَمر البعث حتى لا يجدوا سبيلا إِلى جحوده، بعد ذلك هددهم أَشد التهديد ببيان أَن الساعة آتية لا محالة، وفيها فصل القضاء بين الحق والباطل، والحساب والجزاء، فقال تعالى:
(إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا): أَي إِن يوم القيامة مؤقت بأَجل محدود في علم الله لبعث الأَوَّلين والآخرين لا يزاد عليه ولا ينقص عنه كما قال -سبحانه-: (وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لأَجَلٍ مَعْدُودٍ) (¬١) وفي ذلك رد على من كانوا يستعجلون قائلين: "مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ" (¬٢).
الآية وما يتلوها نوع تفصيل لكيفية وقوع يوم القيامة وما يقع فيه من أَهوال، و (يَوْمَ) في قوله تعالى: (يَوْمَ يُنفَخُ) وقع بدلان من يوم الفصل، أَو عطف بيان مفيد لزيادة تفخيمه وتهويله، أَي: أَن يوم الفصل هو يوم النفخ في الصور الذي يحدث فيه ما يحدث، والمراد، النفخة الثانية لإسرافيل ﵇ في الصور، وهو القرن الذي أُعد لذلك، وقيل: هذا تصوير لبعث الله للناس يوم القيامة بسرعة لا يمثلها إِلاَّ نفخة في بوق يصدر عنها صوت عظيم بعيد المدى.
وعلينا أَن نؤمن بما ورد من النفخ في الصور، وليس علينا أَن نعلم ما هي حقيقة هذا الصور، والبحث في هذا لا يسوغ، وليس علينا من حرج في تركه، ولا ضير في تأَخير الفصل عن النفخ حسب وقوعه -فإِن زمان القيامة زمن ممتد يقع النفخ في أَوله، وفي بقيته الفصل ومباديه وآثاره (فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا) أَي: فتبعثون من قبوركم فتأَتون إلى الموقف -عقب ذلك بغير مهلة أصَلا- أُمما، كل أَمة بإِمامها كقوله تعالى: "يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ" (¬٣) أَو زُمَرًا وجماعات مختلفة الأَحوال متباينة الأَوصاف حسب اختلاف الأَعمال وتباينها.