سعداء وأشقياء، وسؤال المشركين عن ميقات الساعة، وتفويض أمرها إلى الله تعالى، لا إلى أحد حتى الرسول ﷺ، وتأكيد حدوثها، وذهول المشركين من شدة هولها، ومعرفتهم أن مكثهم في الدنيا كمقدار العشي أو الضحى: ﴿فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى.﴾. [الآيات: ٣٤ - ٤٦].
﴿وَالنّازِعاتِ غَرْقاً﴾﴿غَرْقاً﴾ منصوب على المصدر، وكذلك ﴿نَشْطاً﴾ و ﴿سَبْحاً﴾ و ﴿سَبْقاً﴾ كلها منصوبات على المصدر.
﴿فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً﴾﴿أَمْراً﴾ منصوب إما لأنه مفعول به ل ﴿فَالْمُدَبِّراتِ﴾ أو بتقدير حذف حرف الجر، وتقديره: والمدبرات بأمر؛ لأن التقدير ليس إلى الملائكة، وإنما هو إلى الله تعالى، فهي مرسلة بما يأمرها به.
وجواب القسم محذوف تقديره: لتبعثن، بدليل إنكارهم للبعث في قوله تعالى: ﴿أَإِنّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ﴾ أو الجواب: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ﴾ على تقدير حذف اللام، أي ليوم ترجف، وهذا ضعيف، أو الجواب: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً﴾.
﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ﴾﴿يَوْمَ﴾: إما منصوب بفعل دلّ عليه قوله تعالى: ﴿قُلُوبٌ
يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ﴾ أي وجفت قلوبهم، فيكون يومئذ بدلا من ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ﴾ أو بتقدير:
اذكر يوم ترجف، والجملة حال.
البلاغة:
﴿تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ﴾ جناس اشتقاق.
المفردات اللغوية:
﴿وَالنّازِعاتِ غَرْقاً﴾ أقسم الله بالملائكة التي تنزع أرواح الكفار نزعا بشدة وألم.
﴿وَالنّاشِطاتِ نَشْطاً﴾ الملائكة التي تخرج أرواح المؤمنين برفق وسهولة. ﴿وَالسّابِحاتِ سَبْحاً﴾ الملائكة التي تسبح من السماء، أي تنزل مسرعة بأمره تعالى. ﴿فَالسّابِقاتِ سَبْقاً﴾ الملائكة تسبق بالأرواح إلى مستقرها. ﴿فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً﴾ تنزل بتدبير ما أمرت به.
فهذه كلها صفات الملائكة، وقيل: إنها الكواكب الجارية على نظام معين في سيرها، ﴿غَرْقاً﴾ مسرعة في جريها. ﴿نَشْطاً﴾ خارجة من برج إلى برج. ﴿سَبْحاً﴾ سائرة في أفلاكها بهدوء. ﴿سَبْقاً﴾ مسرعة قبل غيرها في سبحها. ﴿فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً﴾ تدبر أمرا نيط بها، كاختلاف الفصول وتقدير الأزمنة وظهور مواقيت العبادات.
﴿تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ﴾ تضطرب الأرض والجبال وتتحرك، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ﴾ [المزمل ١٤/ ٧٣]. ﴿تَتْبَعُهَا الرّادِفَةُ﴾ تلحق بها السماء والكواكب، فتنشق وتنتثر، وقيل: ﴿الرّاجِفَةُ﴾: النفخة الأولى، و ﴿الرّادِفَةُ﴾: النفخة الثانية. ﴿واجِفَةٌ﴾ خائفة قلقة شديدة الاضطراب، من الوجيف: وهي صفة القلوب. ﴿خاشِعَةٌ﴾ ذليلة، لهول ما ترى، أي أبصار أصحابها ذليلة من الخوف. ﴿يَقُولُونَ﴾ أي أصحاب القلوب والأبصار استهزاء وإنكارا للبعث. ﴿لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ﴾ أي أنرد بعد الموت إلى الحياة؟ و ﴿الْحافِرَةِ﴾ الحياة الأولى، يقال: فلان رجع في حافرته، أي طريقته التي جاء فيها، فيرجع من حيث جاء.
﴿نَخِرَةً﴾ بالية متفتتة. ﴿قالُوا: تِلْكَ﴾ أي رجعتنا إلى الحياة. ﴿إِذا﴾ إن صحت.
﴿كَرَّةٌ خاسِرَةٌ﴾ رجعة ذات خسران يخسر أصحابها. ﴿زَجْرَةٌ﴾ صيحة وهي النفخة الثانية لبعث الأموات. ﴿فَإِذا هُمْ﴾ كل الخلائق. ﴿بِالسّاهِرَةِ﴾ أي فإذا هم أحياء على وجه الأرض، بعد أن كانوا ببطنها أمواتا.
أخرج سعيد بن منصور عن محمد بن كعب قال: لما نزل قوله: ﴿أَإِنّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ؟﴾ قال كفار قريش: لئن حيينا بعد الموت لنخسرن، فنزلت: ﴿قالُوا: تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خاسِرَةٌ﴾.
التفسير والبيان:
﴿وَالنّازِعاتِ غَرْقاً، وَالنّاشِطاتِ نَشْطاً؛ وَالسّابِحاتِ سَبْحاً، فَالسّابِقاتِ سَبْقاً، فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً﴾ (¬١) أقسم الله سبحانه بالملائكة التي تنزع أرواح الكفار من أجسادهم بشدة وعنف وإغراق في النزع حيث تنزعها من أقاصي الأجساد، وتخرج أرواح المؤمنين بسرعة ولطف وسهولة، وبالملائكة الذين ينزلون من السماء مسرعين، لأمر الله تعالى، والملائكة التي تسبق بأرواح المؤمنين إلى الجنة، وتدبر الأمر بأن تنزل بالحلال والحرام وتفصيلهما، وتدبر أهل الأرض بالرياح والأمطار وغير ذلك. قيل: إن تدبير أمر الدنيا إلى أربعة من الملائكة: جبريل وميكائيل وعزرائيل وإسرافيل، فأما جبريل فموكل بالرياح والجنود، وأما ميكائيل: فموكل بالقطر والنبات، وأما عزرائيل: فموكل بقبض الأنفس، وأما إسرافيل: فهو ينزل بالأمر عليهم.
وقال الحسن البصري: المراد بالكلمات الخمس: النجوم والكواكب في جريها وتنقلها بين الأبراج وسيرها في أفلاكها هادئة أو مسرعة أو مدبرة أمرا بأمر الله تعالى.