والسَّحَرةُ جمعُ ساحرٍ، غيرَ أن المعروفَ مِن كلامِ العربِ إذا نطَقوا بواحِدِهِ أنْ يقولوا: رجلٌ بَرٌّ، وامرأَةٌ برَّةٌ. وإذا جمَعوا ردُّوه إلى جمعِ فاعلٍ، كما قالوا: رجلٌ سَرِيٌّ. ثم قالوا في جمعِه: قومٌ سَراةٌ. وكان القياسُ في واحدِه أنْ يكونَ "ساريًا"، وقد حُكِى سماعًا مِن بعضِ العربِ: قومٌ خَيَرَةٌ بَرَرَةٌ. وواحدُ الخَيَرةِ: خَيْرٌ، والبَرَرَةِ: بَرٌّ.
وقولُه: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: لُعِن الإنسانُ الكافرُ، ما أكفَره!
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال مجاهدٌ.
حدَّثني موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المسروقيُّ، قال: ثنا عبدُ الحميدِ الحِمَّانيُّ، عن الأعمشِ، عن مجاهدٍ، قال: ما كان في القرآنِ: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ﴾، أو فعِل بالإنسانِ، فإنما عُنِى به الكافرُ (¬١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾: بلَغني أنه الكافرُ.
وفى قولِه: ﴿أَكْفَرَهُ﴾. وجهان؛ أحدُهما: التعجُّبُ مِن كفرِه، مع إحسانِ اللَّهِ إليه، وأياديه عندَه. والآخرُ: ما الذي أكْفَره؟ أي: أيُّ شيءٍ أكْفَره؟
يقولُ تعالى ذكرُه: مِن أيِّ شيءٍ خلَق الإنسانَ الكافرَ ربُّه حينَ (¬١) يَتَكبَّرُ ويَتَعاظَمُ (¬٢) عن طاعةِ ربِّه والإقرارِ بتوحيدِه؟ ثم بيَّن جلَّ ثناؤُه الذي منه خلَقَه؛ فقال: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ أحوالًا؛ نطفةً تارةً، ثم عَلَقةً أُخرى، ثم مُضْغَةً، إلى أن أتَتْ عليه أحوالُه وهو في رحمِ أمِّه،
﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾. يقولُ: ثم يسَّره للسبيلِ، يعني: للطريقِ.
واختلف أهلُ التأويلِ في السبيلِ الذي يسَّره لها (¬٣)؛ فقال بعضُهم: هو خروجُه مِن بطنِ أمِّه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾: يعنى بذلك: خروجَه مِن بطنِ أمَّه يسَّره له (¬٤).
حدَّثني ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن إسماعيلَ، عن أبي صالحٍ: ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾. قال: سبيلَ الرَّحِمِ (¬٥).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن السديِّ: ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾. قال: خروجَه مِن بطنِ أُمِّه (¬٦).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾. قال: خروجَه مِن بطنِ أمِّه (¬١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾. قال: أخرَجه مِن بطنِ أمِّه.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: طريقَ الحقِّ والباطلِ بيَّناه له وأعلَمْناه، وسهَّلنا له العملَ به.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾. قال: هو كقولِه: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٣].
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾. قال: على نحوِ ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ (¬٢).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: سبيلَ الشقاءِ والسعادةِ، وهو كقولِه: ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ (¬٣).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: قال