(إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ): أَي: إِنَّك مجتهد جَادٌّ في عملك إِلى لقاء ربك وهو الموت وما بعد، والكدح كما قال الزمخشري والآلوسي: جهد النفس في العمل والكد فيه حتى يؤَثر ذلك في النفس، من كَدَح جلدَه: إِذا خدشه.
(فَمُلاقِيهِ): أَي: فملاقي جزاءَ عملك لا محالة.
(وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ): وأَما من يُعطاه ويؤْتاه بشماله من وراء ظهره وهو الكافر.
(يَدْعُو ثُبُورًا): ينادي ويقول: يا ثبوراه؛ والثبور: الهلاك.
(ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ): ظن أن لن يرجع إِلى ربه فيحاسبه -يقال: لا يحور ولا يحول؛ أَي: لا يرجع ولا يتغير قال:
وما المرء إِلا كالشهاب وضوئه … يحور رَمَادًا بعد إِذ هو ساطع
أَي: يرجع رمادًا.
وعن ابن عباس: ما كنت أَدري معنى (يحور) حتى سمعت أَعرابية تقول لينية لها: حورى، أَي: ارجعي ذكره الكشاف.
التفسير
١ - (إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ):
أَي: إِذا السماء انصدعت، قيل: تنشق لهول يوم القيامة لقوله تعالى: "وَانشَقَّتْ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ" (¬١) قال الزمخشري: أَضمر جواب (إِذا السَّمَاءُ انشَقَّتْ) وما عطف عليه، ولم يذكره ليذهب السامع في تقديره كل مذهب، وفي هذا من التهويل ما فيه، وقيل: جوابها ما دل عليه قوله تعالى: (فَمُلاقِيهِ) أَي: إِذا السماءُ انشقت لاقى الإِنسان جزاءَ عمله وكَدْحِهِ.
(وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا) أَي: واستمعت السماءُ لربها واستجابت له، وأَطاعت أَمره فيما أَمرها الله به من الانشقاق وذلك يوم القيامة (وَحُقَّتْ) أَي: وحق لها أَن تطيع أمره وتنزل على إِرادته وحكمه؛ لأَنه العزيز الذي لا يُمَانع ولا يغالب قد قهر كل شيءٍ وذل له لأَنه القادر الحقيقي.
٣ - (وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ):
قال الضَّحَّاك: مُدّت الأَرض، أَي: بُسطت بِانْدِكَاكِ جبالها وآكامها وتسويتها فصارت قاعًا صفصفًا لا ترى فيها عوجًا ولا أَمْتًا.
وقال بعضهم: مُدَّت أَي: زيدت سعة وبسطة، من مده بمعنى أَمده، أَي: زاده.
أَخرج الحاكم بسند جيد عن جابر، عن النبي ﷺ أَنه قال: "تُمد الأَرضُ يومَ القيامةِ مَدَّ الأَديمِ، ثم لا يكونُ لابن آدمَ منها إِلا موضع قدميْه".
٤ - (وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ):
(وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا): أَي: ولفظت ما في جوفها ورمت ما في بطنها من كنوز وموتى.
(وَتَخَلَّتْ) أَي: وتكلفت في الخلو أَقصى جهدها حتى لم يبق شيءٌ في بطنها.
وقيل: تخلت مما على ظهرها من جبالها وبحارها وأَحيائها.
٥ - (وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ):
أَي: وانقادت الأَرض لربها وأَطاعته ونزلت على حكمه في زيادة سعتها، وإِلقاءِ ما فيها وتَخَلِّيها عنه، وحقيق وجدير بها ذلك!!
وإِذا حدث كل ما تقدم -وذلك يوم القيامة- لقي كل إِنسان جزاءَ عمله.