أَي: فأَقسم قسمًا مؤكدًا -كما يشعر بذلك ذكر "لَا"- (بِالشَّفقِ): وهو الحمرة التي تشاهد في الأُفق بعد الغروب، وبسقوط الشفق يخرج وقت المغرب ويدخل وقت العشاء عند عامة العلماءِ، إِلا ما ورد في بعض الروايات عن أَبي حنيفة، وقيل الشفق: البياض الذي يلي تلك الحمرة، وبه قال أَبو هريرة، وهو إِحدى الروايات عن أَبي حنيفة. وصح عن مجاهد أَنه قال في هذه الآية: (فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ) قال السفق: هو النهار كله وإِنما حمله على هذا قَرْنُ الشفق بقوله تعالى: (وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ) كأَنه أَقسم بالضياءِ والظلام.
١٧ - (وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ):
أَي: وأَقسم على سبيل التأكيد باللَّيل وما جمعه وضمه وآوى إِليه من الدواب وغيرها. وعن مجاهد: ما يكون فيه من خير أَو شر، وقيل: وما ستره وغطى عليه بظلمته.
١٨ - (وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ):
أَي: وأَقسم قسمًا مؤكدًا بالقمر إِذا اجتمع نوره وتمَّ وتكامل وصار بدْرًا وذلك -كما قال الزمخشري-: هي ليلة أَربع عشرة.
١٩ - (لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ):
هذا الكلام خطاب لجنس الإِنسان المنادَى أَولا في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ) إِلخ .. باعتبار شموله لجميع أَفراد الإِنسان والمراد بالركوب: الملاقاة، وبالطبق الحال المطابقة لغيرها، والمعنى: لتلاقن أَيها النَّاس حالا بعد حال، كل حال مطابقة لغيرها في الشدة والهول.
وقيل: الطبق: جمع، وهي المرتبة، والمعنى: لتركبن أَحوالا بعد أَحوال هي طبقات في الشدة بعضها أَعظم من بعض، وهي الموت وما بعده من مشاهد القيامة وأَهوالها.
وفسر بعضهم الأَحوال التي يلاقيها النَّاس بما يكونون عليه في الدنيا من كونهم نطفة إِلى الموت وما يكونون عليه في الآخرة من البعث إِلى حين استقرارهم في إِحدى الدارين الجنة أَو النَّار.
أَخرج البخاري عن ابن عباس أَن الخطاب للنبي ﷺ وعليه يراد: لتركبن أَحوالا شريفة بعد أُخرى من مراتب القُرْبِ، أَو من مراتب الشدة في الدنيا باعتبار ما يقاسيه في تبليغ الرسالة، أَو الكلام عِدَةٌ بالنصر وتبشير بالمعراج، أَي: لتركبن سماءً بعد سماءِ، واختار ابن كثير هذا القول -وقال: والصواب من التأْويل قول من قال: لتركبن يا محمد حالا بعد حال وأَمرًا بعد أَمر من الشدائد، والمراد بذلك- وإِن كان الخطاب موجهًا إِلى رسول الله -جمع الناس، وأَنهم يلقون من شدائد يوم القيامة وأَحواله أَهوالا- أهـ: ابن كثير.
٢٠ - (فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ):
الفاء في قوله تعالى: (فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) يجوز أَن تكون لترتيب ما بعدها من الإِنكار والتعجيب على ما قبلها من أَحوال يوم القيامة وأهوالها المشار إِليها بقوله تعالى: (لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ) أَي: إِذا كان حالهم يوم القيامة كما أُشير إِليه فأَي شيءٍ يمنعهم من الإِيمان بالله ورسوله وسائر ما يجب الإِيمان به بعد ذكر ما يلقاه كل مخالف من الأَهوال؟ ويجوز أَن يكون لترتيب ما بعدها على ما قبلها من عَظيم شأْنه ﵊ المشار إِليه بقوله تعالى: (لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ) على أَن المراد بالمخاطب رسول الله ﷺ أَي: إِذا كان هذا حاله ﷺ كما أُشير إِليه فأَي شيءٍ يمنعهم من الإِيمان به ﵊؟!