(فِرْعَوْنَ وثَمُودَ) بدل من الجنود، وأراد بفرعون إياه وآله، كما في قوله: (مِّن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِمْ) [يونس: ٨٣]، والمعنى: قد عرفت تكذيب تلك الجنود الرسل وما نزل بهم لتكذيبهم. (بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا) من قومك (فِي تَكْذِيبٍ) أي: تكذيب واستيجاب للعذاب، والله عالم بأحوالهم وقادر عليهم وهم لا يعجزونه.
إن اقتضاء مذهبه يخالف تفسيره؛ فإنهم يقولون: الله يريد من العباد الإيمان والطاعة، ولا يريد الكفر والمعصية، ولا شك أن الثاني أكثر وقوعاً. وأيضاً إن العباد إذا كانوا فاعلين لأفعالهم مستقلين في خلقها، فكأن الكثرة فيها.
وقال الإمام: "احتج أصحابنا بهذه الآية في مسألة خلق الأعمال، قالوا: لا خلاف في أنه يريد الإيمان من المكلف، فوجب أن يكون فاعلاً له، وإذا كان فاعلاً للإيمان، وجب أن يكون فاعلاً للكفر ضرورة، لأنه لا قائل بالفرق. وقال القفال: الفعّال لما يريد: يفعل ما يريد على ما يراه، ولا اعتراض عليه، ولا يغلبه غالب، فيُدخل من يشاء الجنة لا يمنعه مانع، ويُدخل أعداءه النار لا ينصرهم منه ناصر".
قوله: (قد عرفت تكذيب تلك الجنود)، تفسير لقوله ﴿هَلْ أَتَاكَ﴾، وفيه أن ﴿هَلْ﴾ هاهنا بمعنى ﴿قَدْ﴾، وضُمن معنى التعجب بدلالة ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ﴾، ليفيد الترقي من التعجيب إلى التعجب في الإضراب الأول، والترقي من التكذيب إلى التكذيب في الإضراب الثاني. بيان ذلك قوله: "إن أمرهم أعجب من أمر أولئك، لأنهم سمعوا بقصصهم"، إلى قوله: "وكذبوا أشد من تكذيبهم".
والمبالغة في الثاني تفهم من التنكير في قوله ﴿فِي تَكْذِيبٍ﴾، ثم ترقى وقال: دع تكذيبهم بذلك، فإن هاهنا ما هو أطَمّ منه، وهو تكذيبهم بهذا القرآن المجيد المثبت في اللوح المحفوظ.
والإحاطة بهم من ورائهم: مثل لأنهم لا يفوتونه، كما لا يفوت فائت الشيء المحيط به. ومعنى الاضراب: أن أمرهم أعجب من أمر أولئك؛ لأنهم سمعوا بقصصهم وبما جرى عليهم، ورأوا آثار هلاكهم ولم يعتبروا، وكذبوا أشد من تكذيبهم. (بَلْ هُوَ) أي: بل هذا الذي كذبوا به (قُرْآنٌ مَّجِيدٌ) شريف عالي الطبقة في الكتب وفي نظمه وإعجازه. وقرئ: (قرآن مجيد) بالإضافة، أي: قرآن رب مجيد. وقرأ يحيى بن يعمر: (في لوح) واللوح: الهواء، يعني: اللوح فوق السماء السابعة الذي فيه اللوح (مَّحْفُوظٍ) من وصول الشياطين إليه، وقرئ: (محفوظ) بالرفع صفة القرآن.
عن رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة «البروج» أعطاه الله بعدد كل يوم جمعة وكل يوم عرفة يكون في الدنيا عشر حسنات».
(النَّجْمُ الثَّاقِبُ) المضيء، كأنه يثقب الظلام بضوئه فينفذ فيه، كما قيل: دريء؛ لأنه يدرؤه، أي: يدفعه. ووصف بالطارق؛ لأنه يبدو بالليل، كما يقال للآتي ليلاً: طارق: أو لأنه يطرق الجني، أي يصكه. والمراد: جنس النجوم، أو جنس الشهب التي يرجم بها.
قوله: (للآتي ليلاً)، أي: كما يقال لمن يأتي في الليل: طارق، كذلك يقال للنجم الطالع في الليل: طارق.
قوله: (أو لأنه يطرق الجني، أي: يصكه)، أي: يضربه. الراغب: "الطرق في الأصل الضَّرب، إلا أنه أخص، لأنه ضرب توقع كطرق الحديد بالمطرقة، ويتوسع فيه توسعهم في