(كَلَّا) ردع لهم عن ذلك وإنكار لفعلهم. ثم أتى بالوعيد وذكر تحسرهم على ما فرّطوا فيه حين لا تنفع الحسرة؛ ويومئذ بدل من (إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ) وعامل النصب فيهما (يتذكر). (دَكًّا دَكًّا) دكًا بعد دك. كقوله: حسبته بابًا بابًا، أي: كرّر عليها الدك حتى عادت هباًء منبثًا. فإن قلت: ما معنى إسناد المجيء إلى الله، والحركة والانتقال إنما يجوزان على من كان في جهة؟
قلت: هو تمثيل لظهور آيات اقتداره وتبين آثار قهره وسلطانه: مثلت حاله في ذلك بحال الملك إذا حضر بنفسه ظهر بحضوره من آثار الهيبة والسياسة، ما لا يظهر بحضور عساكره كلها ووزرائه وخواصه عن بكرة أبيهم،
قوله: (دكاً بعد دك، كقوله: حسبته باباً باباً)، أي: التكرير للاستيعاب، قال ابن الحاجب: "يثبت له حسابه باباً باباً، أي مفصلاً. والعرب تكرر الشيء مرتين، فتستوعب تفصيل جميع جنسه باعتبار المعنى الذي دل عليه اللفظ المكرر، فإذا قلت: بينت له الكتاب باباً باباً، فمعناه: بينت له مفصلاً باعتبار أبوابه"، وإليه الإشارة بقوله: "حتى عادت هباءً منبثاً".
قوله: (عن بكرة أبيهم)، عن بعضهم: كان لزان عشرة بنين يُغيرون ويصيدون، فخرجوا يوماً فأناخوا في بعض المراعي، فهجم عليهم العدو فقتلهم وجعل رؤوسهم في
(صَفًّا صَفًّا) ينزل ملائكة كل سماٍء فيصطفون صفًا بعد صف محدقين بالجن والإنس. (وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ) كقوله: (وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ)] النازعات: ٣٦ [وروى: أنها لما نزلت تغير وجه رسول الله ﷺ وعرف في وجهه حتى اشتدّ على أصحابه، فأخبروا عليًا ﵁، فجاء فاحتضنه من خلفه وقبله بين عاتقيه؛ ثم قال: يا نبيّ الله، بأبي أنت وأمي ما الذي حدث اليوم، وما الذي غيّرك؟ فتلا عليه الآية. فقال على: كيف يجاء بها؟ قال: يجيء بها سبعون ألف ملٍك يقودونها بسبعين ألف زمام، فتشرد شردهً لو تركت لأحرقت أهل الجمع.
[(يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنسَانُ) أي: يتذكر ما فرّط فيه، أو يتعظ، (وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى) ومن أين له منفعة الذكرى، لا بد من تقدير حذف المضاف، وإلا فبين: يوم (يتذكر)، وبين (وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى) تناٍف وتناقض.
مخلاة، فحملتها ناقة لزبان تدعى الدُّهيم، فجاءت إلى بيت زبان، فلما رأى المخلاة قال: أصاب بني بيض النعام، فضرب بيده فيها فأخرج رأساً منها، فقال: آخر البزِّ على القلوص، يعني: لا تُصيبون بزاً آخر، فذهب مثلاً. وقال الناس: جاؤوا على بكرة أبيهم، أي: ناقة أبيهم. الجوهري: "جاؤوا على بَكرة أبيهم: يضرب للجماعة إذا جاؤوا معاً، ولم يتخلف منهم أحد، وليس هناك بَكرة في الحقيقة".
قوله: (بأبي أنت وأمي)، النهاية: "الباء في "بأبي" متعلقة بمحذوف، قيل: هو اسم، فيكون ما بعده مرفوعاً تقديره: أنت مُفدى بأبي وأمي. وقيل: هو فعل وما بعده منصوب، أي: فديتك بأبي وأمي، وحذف هذا المقدر لكثرة الاستعمال وعلم المخاطب به".
قوله: (فبين [يوم] ﴿يَتَذَكَّرُ﴾ وبين ﴿وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ تنافٍ وتناقض)، لأنه تعالى
(قَدَّمْتُ لِحَياتِي) هذه، وهي حياة الآخرة، أو وقت حياتي في الدنيا، كقولك: جئته لعشر لياٍل خلون من رجب؛ وهذا أبين دليٍل على أن الاختيار كان في أيديهم ومعلقًا بقصدهم وإرادتهم، وأنهم لم يكونوا محجوبين عن الطاعات مجبرين على المعاصي، كمذهب أهل الأهواء والبدع، وإلا فما معنى التحسر؟ قرئ بالفتح: (يعذب ويوثق)، وهي قراءة رسول الله ﷺ. وعن أبى عمرو أنه رجع إليها في آخر عمره. والضمير للإنسان الموصوف. وقيل: هو أبىّ بن خلف أي: لا يعذب أحد مثل عذابه،
أثبت له التذكير أولاً، ثم نفاه عنه آخراً في آنٍ واحد، نحو قوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ [الأنفال: ١٧]. قال الزجاج ورواه محيي السنة: "يومئذ يظهر الإنسان التوبة، ومن أين له التوبة؟ ".
قوله: (وهذا أبين دليل على أن الاختيار كان في أيديهم ومعلقاً بقصدهم)، قال الإمام: "هذا التحسرر على فعلهم الذي كان مسنداً إليهم ظاهراً، وتحقيقه: ليت الله وفقني على فعل الطاعة".