﴿وَفِي النّارِ هُمْ خالِدُونَ﴾ إما عطف على جملة ﴿حَبِطَتْ﴾ على أنها خبر آخر لأولئك، وإما مستأنفة كجملة ﴿أُولئِكَ حَبِطَتْ﴾ وفائدتهما تقرير النفي السابق، الأولى: من جهة نفي استتباع الثواب، والثانية: من جهة نفي استدفاع العذاب.
﴿أُولئِكَ﴾ عبر به للاستبعاد.
البلاغة:
﴿وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ﴾ تخصيص الصلاة والزكاة بالذكر توضيح لأهميتهما وحث على القيام بهما.
المفردات اللغوية:
﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ما صح لهم وما استقام وما ينبغي لهم. ﴿أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللهِ﴾ عمارة المسجد لغة: لزومه والإقامة فيه وعبادة الله فيه، وبناؤه وترميمه. وعمارة المساجد نوعان:
حسية، ومعنوية، فالحسية: بالتشييد والبناء والترميم والتنظيف والفرش والتنوير بالمصابيح والدخول إليها والقعود فيها، والمعنوية: بالصلاة وذكر الله والاعتكاف والزيارة للعبادة فيها، وذلك
يشمل العمرة، ومن الذكر: درس العلم، بل هو أجله وأعظمه وصيانتها مما لم تبن له المساجد من أحاديث الدنيا، فضلا عن فضول الحديث، كما قال الزمخشري. والمساجد فيها وجهان: أحدهما-أن يراد المسجد الحرام، وإنما قيل: مساجد؛ لأنه قبلة المساجد كلها وإمامها، فعامره كعامر جميع المساجد، ولأن كل بقعة منه مسجد. والثاني-أن يراد جنس المساجد، وتشمل المسجد الحرام، وإذا لم يصلحوا لأن يعمروا جنسها، فلأن لا يعمروا المسجد الحرام آكد. والمعنى: ما استقام للمشركين أن يجمعوا بين أمرين متنافيين: عمارة متعبّدات الله، مع الكفر بالله وبعبادته. والمساجد في الأصل: جمع مسجد، وهو مكان السجود، ثم صار اسما للبيت المخصص للعبادة. ومن قرأ:
مسجد الله، فأراد به المسجد الحرام أشرف المساجد في الأرض.
﴿شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ معنى هذه الشهادة: ظهور كفرهم، وأنهم نصبوا أصنامهم حول البيت، وكانوا يطوفون عراة، ويقولون: لا نطوف عليها بثياب قد أصبنا فيها المعاصي، وكلما طافوا بها شوطا سجدوا لها. ﴿حَبِطَتْ﴾ بطلت. ﴿أَعْمالُهُمْ﴾ لعدم شرطها وهو الإيمان.
سبب النزول:
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: قال العباس حين أسر يوم بدر: إن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد، لقد كنا نعمر المسجد الحرام، ونسقي الحجاج، ونفكّ العاني (أي الأسير) فأنزل الله: ﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللهِ﴾ الآية.
وفي رواية أخرى: قد أقبل المهاجرون والأنصار على أسارى بدر، فعيّروهم بالشرك، فطفق علي بن أبي طالب ﵁ يوبخ العباس بقتال رسول الله ﵌، وقطيعة الرحم، وأغلظ له في القول، فقال العباس: تذكرون مساوينا، وتكتمون محاسننا؟ فقال: أو لكم محاسن؟ قالوا: نعم، ونحن أفضل منكم أجرا، إنا لنعمر المسجد الحرام، ونحجب الكعبة، ونسقي الحجيج، ونفك العاني، فنزلت (¬١). والمراد أن الآية تضمنت الرد على العباس وأمثاله، لا أنها نزلت عقب قوله.
بعد أن ذكر الله في أول السورة البراءة عن الكفار، وذكر أنواع فضائحهم وقبائحهم الموجبة تلك البراءة، احتجوا بأن هذه البراءة غير جائزة، وأنه يجب أن تكون المخالطة والمناصرة حاصلة؛ لأنهم موصوفون بصفات حميدة وخصال مرضية، ومن جملتها كونهم عامرين للمسجد الحرام، كما ورد في سبب النزول.
وكذلك ناسب أن يذكر بعد نبذ العهود منع عبادة الشرك من المسجد الحرام، وإبطال حق المشركين في الإشراف عليه وخدمته، وذلك مناسب لنقض عهودهم.
التفسير والبيان:
ما ينبغي للمشركين بالله، وما صح لهم وما استقام أن يعمروا مساجد الله التي منها المسجد الحرام بالإقامة فيه للعبادة، أو للخدمة والولاية عليه، ولا أن يدخلوه حجاجا أو عمّارا، وهم شاهدون على أنفسهم بالكفر، أي بشهادة الحال والمقال، بأن يعبدوا الأصنام، وأن يطوفوا بالبيت عراة، وكلما طافوا بالكعبة شوطا سجدوا لها. وقيل: هو قولهم: «لبيك لا شريك لك، إلا شريك هو لك تملكه وما ملك» فهذه شهادتهم بالكفر ثابتة قولا وعملا، أما القول فهذا، وأما العمل فهو عبادة الأصنام.
فهم بهذا جمعوا بين الضدين، وبين أمرين متنافيين لا يعقل الجمع بينهما على وجه صحيح: عمارة بيت الله مع الكفر به.
أولئك المشركون بالله حبطت أعمالهم أي بشركهم، وبطلت فلا ثواب لهم، وهم في نار جهنم خالدون لعظم ما ارتكبوه أي ماكثون مقيمون إقامة خلود وبقاء، فإن الكفر محبط للعمل ولا ثواب لصاحبه في الآخرة، بدليل آيات كثيرة في القرآن الكريم منها: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾