﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١)﴾ هذا توقيف معناه: إثبات شرح صدره ﷺ، وتعديد ما ذكر بعده من النعم.
وشرح صدره ﷺ: هو اتساعه لتحصيل العلم، وتنويره بالحكمة والمعرفة. وقيل: هو شق جبريل لصدره في صغره، أو في وقت الإسراء، حين أخرج قلبه وغسله.
﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢)﴾ فيه ثلاثة أقوال:
الأول: - قول الجمهور -: أن الوزر: الذنوب، ووضعها: هو غفرانها، فهو كقوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢]، وهذا على قول من جوز صغائر الذنوب على الأنبياء، أو على أن ذنوبه كانت قبل النبوة.
الثاني: أن الوزر: هو أثقال النبوة وتكاليفها، ووضعها على هذا: هو إعانته عليها، وتمهيد عذره بعد ما بلغ الرسالة.
الثالث: أن الوزر: هو تحيُّره قبل النبوة؛ إذ كان يرى أن قومه على
ضلال، ولم يأته من الله أمر واضح، فوضعه على هذا: هو بالنبوة والهدى للشريعة.
﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣)﴾ عبارة عن ثِقَلِ الوزر المذكور وشدته عليه.
قال الحارث المحاسبي: إنما وُصفت ذنوب الأنبياء بالثِّقَل، وهي صغائر مغفورة لهم؛ لهمِّهم بها وتحسُّرهم عليها، فهي ثقيلة عندهم؛ لشدة خوفهم من الله، وهي خفيفة عند الله.
وهذا كما جاء في الأثر: «إن المؤمن يرى ذنوبه كالجبل يقع عليه، والمنافق يرى ذنوبه كالذبابة تطير فوق أنفه» (¬١).
واشتقاق ﴿أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾:
من نقض البنيان وغيره.
أو من النقيض، وهو الصوت؛ فكأنه يُسمع لظهره نقيض كقنيض ما يُحمل عليه شيءٌ ثقيل.
فإن قيل: لم قال: ﴿لَكَ ذِكْرَكَ﴾ و ﴿لَكَ صَدْرَكَ﴾ مع أن المعنى مستقل دون ﴿لَكَ﴾؟
فالجواب: أن قوله: ﴿لَكَ﴾ تدل على الاعتناء به والاهتمام بأمره.
﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ هذا وعد باليُسر بعد العسر، وإنما ذكره بلفظ ﴿مَعَ﴾ التي تقتضي المقارنة (¬١)، ليدل على قرب اليسر من العسر.
فإن قيل: ما وجه ارتباط هذا مع ما قبله؟
فالجواب: أنه ﷺ كان بمكة هو وأصحابه في عُسر من إذاية الكفار ومن ضيق الحال، فوعده الله باليسر، وقدَّم تعديد النعم تسلية وتأنيسًا؛ لتطيبَ نفسه ويقوى رجاؤه، كأنه يقول: إن الذي أنعم عليك بهذه النعم سينصرك ويظهرك ويبدِّل لك هذا العسر بيسر قريب، ولذلك كرر ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ مبالغةً، وقال رسول الله ﷺ: «لن يغلب عسر يسرين» (¬٢)، وقد روي ذلك عن عمر وابن مسعود.
وتأويله: أن العسر المذكور في هذه السورة واحد؛ لأن الألف واللام للعهد كقولك: «جاءني رجل فأكرمت الرجل»، واليسر اثنان؛ لتنكيره.
وقيل: إن اليسر الأول: في الدنيا، والثاني: في الآخرة.
﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ (٧)﴾ هو من النَّصَب بمعنى التعب، والمعنى: إذا فرغت من أمر فاجتهد في آخر.