أو: تاسعة - وعشرين، وإن الملائكة تلك الليلة في الأرض أكثر من عدد الحصى" وقال الأعمش، عن المنهال، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى في قوله: ﴿مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلَامٌ﴾ قال: لا يحدث فيها أمر.
وقال قتادة وابن زيد في قوله: ﴿سَلَامٌ هِيَ﴾، يعني: هي خير كلها، ليس فيها شر إلى مطلع الفجر. ويؤيد هذا المعنى ما رواه الإِمام أحمد (¬١١):
حدثنا حيوة بن شريح، حدثنا بقية، حدثني بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن عبادة بن الصامت: أن رسول الله ﷺ قال: "ليلة القدر في العشر البواقي، من قامهن ابتغاء حسبتهن فإن الله يغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وهي ليلة وتر: تسع، أو سبع، أو خامسة، أو ثالثة، أو آخر ليلة". وقال رسول الله ﷺ: "إن أمارة ليلة القدر أنها صافية بلجة [¬١]، كأن فيها قمرًا ساطعًا، ساكنة ساجية، لا برد فيها ولا حر، ولا يحل [¬٢] لكوكب يرمى به فيها [¬٣] حتى تصبح. وإن أمارتها أن الشمس صبيحتها تخرج مستوية، ليس لها شعاع مثل القمر ليلة البدر، ولا يحل للشيطان [¬٤] أن يخرج معها يومئذ" وهذا إسناد حسن وفي المتن غرابة وفي بعض ألفاظه نكارة.
وقال أبو داود الطيالسي (¬١٢): حدثنا زمعة، عن سلمة بن وهرام، عن عكرمة، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال في ليلة القدر: "ليلة سمحة طلقة، لا حارة ولا باردة، وتصبح شمس صبيحتها ضعيفة حمراء".
وروى ابن أبي عاصم النبيل بإسناده عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله ﷺ قال: "إني رأيت ليلة القدر فأنسيتها، وهي في العشر الأواخر من لياليها وهي [¬٥] ليلة طلقة بلجة، لا حارة ولا باردة، كأن فيها قمرًا، لا يخرج شيطانها حتى يضيء فجرها".
[فصل]
اختلف العلماء: هل كانت ليلة القدر في الأمم السالفة [¬٦]، أو هي من خصائص هذه الأمة؟ على قولين:
قال أبو مصعب أحمد بن أبي بكر الزهري: حدثنا مالك (¬١٣)؛ أنه بلغه: أن رسول الله ﷺ أري أعمار الناس قبله -أو: ما شاء الله من ذلك- فكأنه تقاصر أعمار أمته أن لا يبلغوا من العمل الذي بلغ [¬١] غيرهم في طول العمر فأعطاه الله ليلة القدر، خيرًا [¬٢] من ألف شهر. وقد أسند من وجه آخر. وهذا الذي قاله مالك يقتضي تخصيص هذه الأمة بليلة القدر، وقد نقله صاحب "العدة" أحد أئمة الشافعية عن جمهور العلماء، فالله أعلم. وحكي الخطابي عليه الإِجماع والذي دل عليه الحديث أنها كانت في الأمم الماضين كما هي في أمتنا.
قال أحمد بن حنبل (¬١٤): حدثنا يحيى بن سعيد، عن عكرمة بن عمار: حدثني أبو زميل سماك الحنفي: حدثني مالك بن مرثد بن عبد الله، حدثني مرثد [¬٣] قال: سألت أبا ذر قلت: كيف سألت رسول الله ﷺ عن ليلة القدر؟ قال: أنا كنت أسال الناس عنها، قلت: يا رسول الله، أخبرني عن ليلة القدر، أفي رمضان هي أو في غيره؟ قال: "بل هي في رمضان". قلت: تكون مع الأنبياء ما كانوا، فإذا قبضوا رفعت؟ أم هي إلى يوم القيامة؟ قال: "بل هي إلى هم القيامة". قلت؟ في أي رمضان هي؟ قال: "التمسوها في العشر الأول، والعشر الأواخر". ثم حدث رسول الله ﷺ وحدث، ثم اهتبلت غفلته قلت: في أي العشرين هي؟ قال: "ابتغوها في العشر الأواخر، لا تسألني عن شيء بعدها". ثم حدث رسول الله ﷺ ثم اهتبلت غفلته فقلت: يا رسول الله، أقسمت عليك بحقي عليك لما أخبرتني في أي العشر هي؟ فغضب علي غضبًا لم يغضب مثله منذ صحبته، وقال: "التمسوها في السبع الأواخر، لا تسألني عن شيء بعدها. ورواه النسائي عن الفلاس عن يحيى بن سعيد القطان، به.
ففيه دلالة على ما ذكرناه، وفيه أنها تكون باقية إلى يوم القيامة في كل سنة لا كما زعمه بعض طوائف الشيعة من رفعها بالكلية، على ما فهموه من الحديث الذي سنورده بعد من قوله ﵇: "فرفعت، وعسى أن يكون خيرًا لكم"؛ لأن المراد رفع علم وقتها عينًا. وفيه دلالة على أن ليلة القدر يختص وقوعها بشهر رمضان من بين سائر الشهور، لا كما روي عن ابن مسعود ومن تابعه من علماء أهل الكوفة، من أنها توجد في جميع السنة، وترتجي في جميع الشهور على السواء.
وقد ترجم أبو داود في سننه (¬١٥) على هذا فقال: "باب بيان أن ليلة القدر في كل رمضان": حدثنا حميد بن زنجويه [¬١] النسائي، أخبرنا سعيد بن أبي مريم، حدثنا محمد بن جعفر بن أبي كثير، حدثني موسى بن عقبة، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن عبد الله بن عمر قال: سئل رسول الله ﷺ وأنا أسمع - عن ليلة القدر، فقال: هي في كل رمضان.
وهذا إسناد رجاله ثقات إلا أن أبا داود قال: رواه شعبة وسفيان عن أبي إسحاق فأوقفاه.
وقد حكى عن أبي حنيفة ﵀ رواية أنها ترجى في جميع شهر رمضان. وهو وجه حكاه [¬٢] الغزالي، واستغربه الرافعي جدًّا.
[فصل]
ثم قد قيل: إنها تكون في أول ليلة من شهر رمضان، يحكى هذا عن أبي رزين. وقيل: إنها تقع ليلة سبع عشرة. وروى فيه أبو داود (¬١٦) حديثًا مرفوعًا، عن ابن مسعود، وروي موقوفًا عليه، وعلى زيد بن أرقم (¬١٧) وعثمان بن أبي العاص.
وهو قول عن محمد بن إدريس الشافعي، وحكى عن الحسن البصري. ووجهوه بأنها ليلة بدر، وكانت ليلة جمعة هي السابعة عشرة من شهر رمضان، وفي صبيحتها كانت وقعة لدر، وهو اليوم الذي قال الله تعالى: فيه: ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾.
وقيل: ليلة [تسعة عشر] [¬٣]، يحكى عن عليّ، وابن مسعود أيضًا ﵄.
وقيل: ليلة إحدى وعشرين، لحديث أبي سعيد الخدري قال: اعتكف رسول الله ﷺ العشر الأول من رمضان واعتكفنا معه، فأتاه جبريل فقال: إن الذي تطلب أمامك. فاعتكف العشر الأوسط واعتكفنا معه، فأتاه جبريل فقال: الذي تطلب أمامك ثم قام النبي ﷺ خطيبًا صبيحة عشرين من رمضان، فقال: "من كان اعتكف معي فليرجع، فإني رأيت ليلة القدر، وإني أنسيتها، وإنها في العشر الأواخر في وتر، وإني رأيت كأني