الثالث: -اختاره ابن عطية- وهو: لم يكونوا منفصلين عن نظر الله وقدرته، حتى يبعث الله إليهم رسولًا يقيم عليهم الحجة (¬١).
الرابع: - وهو الأظهر عندي -: أن المعنى: لم يكونوا لينفصلوا من الدنيا حتى بعث الله لهم محمدًا ﷺ، فقامت عليهم الحجة؛ لأنهم لو انفصلت الدنيا دون بعثه لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولًا، فلما بعثه لم يبق لهم عذر ولا حجة.
في ﴿مُنْفَكِّينَ﴾ على هذا كقولك: لا تبرح أو لا تزول حتى يكون كذا وكذا.
﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ﴾ يعني: محمدًا ﷺ.
وإعرابه:
بدل من ﴿الْبَيِّنَةُ﴾.
أو خبر ابتداء مضمر.
﴿يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ يعني: القرآن في صحفه.
﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ أي: ما اختلفوا في نبوة محمد ﷺ إلا من بعد ما علموا أنه حق.
ويحتمل أن يريد تفرقهم في دينهم كقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾﴿فَاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ [فصلت: ٤٥].
وإنما خص الذين أوتوا الكتاب بالذكر هنا بعد ذكرهم مع غيرهم في أول السورة؛ لأنهم كانوا يعلمون صحة نبوة محمد ﷺ، بما يجدون في كتبهم من ذكره.
﴿وَمَا أُمِرُوا﴾ الآية؛ معناها: ما أمروا في التوراة والإنجيل إلا بعبادة الله، ولكنهم حرَّفوا وبدَّلوا.
ويحتمل أن يكون المعنى: ما أمروا في القرآن إلا بعبادة الله، فلأيِّ شيءٍ ينكرونه ويكفرون به؟
﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ استدل المالكية بهذا على وجوب النية في الوضوء، وهو بعيد؛ لأن الإخلاص هنا يراد به التوحيد وترك الشرك أو ترك الرياء، وذلك أن الإخلاص مطلوب في التوحيد وفي الأعمال، وضد الإخلاص في التوحيد: هو الشرك الجليُّ، وضد الإخلاص في الأعمال: هو الشرك الخفيُّ، وهو الرياء.
قال رسول الله ﷺ: «الرياء الشرك الأصغر» (¬١)، وقال ﷺ فيما يرويه عن ربه إنه تعالى يقول: «أنا أغنى الأغنياء عن الشرك، فمن عمل عملًا