وقد لبَّس إبليس على أقوام من أهل ملتنا (¬١)، فدخل عليهم من باب قوة ذكائهم وفطنهم، فأراهم أن الصواب اتباع الفلاسفة؛ لكونهم حكماء قد صدرت منهم أفعال وأقوال دلت على نهاية الذكاء وكمال الفطنة كما يُنقل من حكمة سقراط وبقراط وأفلاطون وأرسطاطاليس وجالينوس، وهؤلاء قد كانت لهم علوم هندسية ومنطقية وطبيعية واستخرجوا بفطنهم أمورًا خفية، إلا أنه لما تكلموا في الإلهيات خلطوا (¬٢)، ولذلك اختلفوا فيها، ولم يختلفوا في الحسابيات والهندسيات، وقد ذكرنا (¬٣) جنس تخليطهم في معتقداتهم.
وسبب تخليطهم أن قوى البشر لا تدرك تلك العلوم إلا جملةً، والرجوع فيها إلى الشرائع (¬٤)، وقد حكي لهؤلاء المتأخرين في أمتنا أن أولئك الحكماء كانوا ينكرون الصانع ويدفعون الشرائع ويعتقدونها نواميس (¬٥) وحِيَلًا، فصدقوا ما حكي لهم عنهم فرفضوا شعار الدين وأهملوا الصلوات ولابسوا المحظورات واستهانوا بحدود