وقد ذم الله سبحانه الواقفين مع تقليد آبائهم وأسلافهم، فقال تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢) وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾ [الزخرف: ٢٢ - ٢٤]، المعنى: أتتبعونهم؟! وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ [الصافات: ٦٩ - ٧٠].
واعلم أن المقلد على غير ثقة مما قلَّد فيه، وفي التقليد إبطال منفعة العقل؛ لأنه إنما خلق للتأمل والتدبر، وقبيح بمن أعطي شمعة يستضيء بها أن يطفئها ويمشي في الظلم! واعلم أن عموم أصحاب المذاهب يعظم في قلوبهم الشخص فيتبعون قوله من غير تدبر لما قال، وهذا عين الضلال؛ لأن النظر ينبغي أن يكون إلى القول لا إلى القائل، كما قال علي ﵇ للحارث بن حوط وقد قال له: أتظن أنا نظن أن طلحة والزبير كانا على باطل (¬١)؟ فقال: يا حارث إنه ملبوس عليك؛ إن الحق لا يعرف بالرجال، اعرف الحق تعرف أهله (¬٢).
وكان أحمد بن حنبل يقول: من ضيق علم الرجل أن يقلد في اعتقاده رجلًا (¬٣)، ولهذا أخذ أحمد بقول زيد في الجدّ وترك قول أبي بكر الصديق (¬٤)، فإن قال قائل: فالعوام لا يعرفون الدليل فكيف لا يقلدون؟