قال: ولقد بالغت في الأصول طول عمري، ثم عدت القهقرى إلى مذهب المكتب، وإنما قالوا: إن مذهب العجائز أسلم لأنهم لما انتهوا إلى غاية التدقيق في النظر لم يشهدوا ما يشفي العقل من التعليلات والتأويلات، فوقفوا مع مراسم الشرع وجنحوا عن القول بالتعليل (¬١)، وأذعن العقل بأن فوقه حكمة إلهية؛ فسلم.
وبيان هذا أن نقول: أحبَّ أن يُعْرَف، أراد أن يُذكر، فيقول قائل: هل شغف بإيصال النفع؟ هل دعاه داع إلى إفاضة الإحسان؟ ومعلوم أن الدواعي عوارض على الذات وتطلبات من النفس، وما يعقل ذلك إلا الذات، يدخل عليها داخل من شوق إلى تحصيل ما لم يكن لها وهي إليه محتاجة، فإذا وجد ذلك العرض سكن الشغف وفتر الداعي، وذلك الحاصل يسمى غِنًى، والقديم لم يزل موصوفًا بالغنى منعوتًا بالاستقلال بذاته الغنية عن استزادة أو عارض، ثم إذا نظرنا في إنعامه رأيناه