سلاح (¬١). وما زال السلف يمدحون المال ويجمعونه للنوائب وإعانة الفقراء، وإنما تجافاه قوم منهم إيثارًا للتشاغل بالعبادات وجمع الهم فقنعوا باليسير، فلو قال هذا القائل إن التقلل منه أولى قرب الأمر، ولكنه زاحم به مرتبة الإثم!
فصل
واعلم أن الفقر مرض، فمن ابتلي به فصبر أثيب على صبره، ولهذا يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام (¬٢)؛ لمكان صبرهم على البلاء، والمال نعمة، والنعمة تحتاج إلى شكر، والغني وإن تعب وخاطر كالمفتي والمجاهد، والفقير كالمنعزل في زاوية.
وقد ذكر أبو عبد الرحمن السلمي في كتاب "سنن الصوفية"، باب كراهية أن يخلف الفقير شيئًا، فذكر حديث الذي مات من أهل الصُّفَّة وخلَّف دينارين، فقال رسول الله ﷺ: "كيَّتان" (¬٣).
وهذا احتجاج من لم يفهم الحال، فإن ذلك الفقير كان يزاحم الفقراء في أخذ الصدقة وحبس ما معه، فلذلك قال: "كيَّتان"، ولو كان المكروه نفس ترك المال لما قال النبي ﷺ لسعد: "لئن تترك ورثتك أغنياء خير لك من أن تتركهم عالةً يتكففون الناس" (¬٤)، ولما كان أحد من الصحابة يخلف شيئًا.