وليُعلَم أنَّ الصَّحابةَ رِضوانُ الله عليهم ضَبطَت ألفاظَ رسولِ الله ﷺ وحركاتِهِ وأفعالَه، فاجتمَعتِ الشَّريعةُ مِن رِواَيةِ هذا ورِوايةِ هذا، وقد قال رسولُ الله ﷺ: "بلِّغُوا عنِّي" (¬١)، وقال: "نضَّرَ اللهُ امرًا سمِعَ مقالَتِي فوَعاهَا فأدَّاها كما سمِعها" (¬٢).
وتأدِيةُ الحديثِ كما سُمعَ لا يَكادُ يحصُلُ إلَّا مِن الكتابِ؛ لأنَّ الحفظَ خوَّانٌ، وقِد كان أحمدُ بن حنبل يُحدِّثُ بالحديثِ، فيُقال له: أملِهِ علَينا. فيقول: لا، بَل مِن الكِتابِ (¬٣). قال عليُّ بنُ المدِيني: أمرَني سيِّدي أحمدُ بن حنبل أن لا أُحَدِّثَ إلَّا مِن كتاب (¬٤).
قال المصنِّف: فإذا كانتِ الصحابةُ قد رَوت السُّنةَ وتلقَّفَها التابِعونَ، وسافَر المحدِّثُون وقطعُوا شرقَ الأرضِ وغربَها لتحصِيلِ كلِمةٍ مِن هاهُنا وكلمةٍ مِن هاهُنا، وصحَّحُوا ما صحَّ وزيَّفوا ما لَم يصحَّ، وجرَّحُوا الرُّواةَ وعدَّلُوا، وهذَّبوا السُّنَن وصنَّفوا (¬٥)، ثمَّ يغسِل ذلكَ فيُضَيِّعُ التعبَ، ولا يعرِفُ حكمَ اللهِ في حادِثَةٍ مثل هذا!