فَإِنْ قِيلَ: إِنْ كَانَ ثَمَّ مَا يَدُلُّ عَلَى رَفْعِ الِاخْتِلَافِ فَثَمَّ مَا يَقْتَضِي وُقُوعَهُ فِي الشَّرِيعَةِ، وَقَدْ وَقَعَ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أُمُورٌ:
- مِنْهَا: إِنْزَالُ الْمُتَشَابِهَاتِ؛ فَإِنَّهَا مَجَالٌ لِلِاخْتِلَافِ لِتَبَايُنِ الْأَنْظَارِ وَاخْتِلَافِ الْآرَاءِ وَالْمَدَارِكِ، هَذَا وَإِنْ كَانَ التَّوَقُّفُ فِيهَا هُوَ الْمَحْمُودَ؛ فَإِنَّ الِاخْتِلَافَ فِيهَا قَدْ وَقَعَ، وَوَضْعُ الشَّارِعِ لَهَا مَقْصُودٌ لَهُ، وَإِذَا كَانَ مَقْصُودًا لَهُ وَهُوَ عَالِمٌ بِالْمَآلَاتِ؛ فَقَدْ جُعِلَ سَبِيلًا إِلَى الِاخْتِلَافِ٢، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُنْفَى عَنِ الشَّارِعِ رَفْعُ٣ مَجَالِ الِاخْتِلَافِ جُمْلَةً.
- وَمِنْهَا: الْأُمُورُ الِاجْتِهَادِيَّةُ الَّتِي جَعَلَ الشَّارِعُ فيها للاختلاف مجالًا؛ فكثيرًا ما تتوارد عل الْمَسْأَلَةِ الْوَاحِدَةِ أَدِلَّةٌ قِيَاسِيَّةٌ٤ وَغَيْرُ قِيَاسِيَّةٍ، بِحَيْثُ يظهر بينهما التَّعَارُضُ، وَمَجَالُ٥ الِاجْتِهَادِ مِمَّا٦ قَصَدَهُ الشَّارِعُ فِي وَضْعِ الشَّرِيعَةِ حِينَ شَرَعَ الْقِيَاسَ وَوَضَعَ الظَّوَاهِرَ التي تختلف فِي أَمْثَالِهَا النُّظَّارُ لِيَجْتَهِدُوا فَيُثَابُوا عَلَى ذَلِكَ، وَلِذَلِكَ نَبَّهَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى هَذَا الْمَقْصِدِ بقوله ﵊: