أَمَّا الْأَوَّلُ، فَلَا يَصِحُّ عَلَى الْإِطْلَاقِ؛ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ مُتَخَيِّرًا بِلَا دَلِيلٍ لَمْ يَكُنْ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ بِالْحُكْمِ لَهُ أَوْلَى مِنَ الْآخَرِ، إِذْ لَا مُرَجِّحَ عِنْدَهُ بِالْفَرْضِ إِلَّا التَّشَهِّيَ؛ فَلَا يُمْكِنُ إِنْفَاذُ حُكْمٍ عَلَى أَحَدِهِمَا إِلَّا مَعَ الْحَيْفِ عَلَى الْآخَرِ، ثُمَّ إِنْ وَقَعَتْ لَهُ تِلْكَ النَّازِلَةُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى خَصْمَيْنِ آخَرَيْنِ؛ فَكَذَلِكَ، [أَوْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَوَّلِ؛ فَكَذَلِكَ] ١، أَوْ يَحْكُمُ لِهَذَا مَرَّةً وَلِهَذَا مَرَّةً، وَكُلُّ ذَلِكَ بَاطِلٌ ومؤدٍّ إِلَى مَفَاسِدَ لَا تَنْضَبِطُ بِحَصْرٍ، ومن ههنا شَرَطُوا فِي الْحَاكِمِ بُلُوغَ دَرَجَةِ الِاجْتِهَادِ، وَحِينَ فُقِدَ؛ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنَ الِانْضِبَاطِ إِلَى أَمْرٍ وَاحِدٍ كَمَا فَعَلَ وُلَاةُ قُرْطُبَةَ حِينَ شرطوا على الحاكم أن لا يَحْكُمَ [إِلَّا بِمَذْهَبِ فُلَانٍ٢ مَا وَجَدَهُ٣، ثُمَّ بِمَذْهَبِ فُلَانٍ؛ فَانْضَبَطَتِ الْأَحْكَامُ بِذَلِكَ، وَارْتَفَعَتِ الْمَفَاسِدُ الْمُتَوَقَّعَةُ] ٤ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ الِارْتِبَاطِ، وَهَذَا مَعْنًى أَوْضَحُ مِنْ إِطْنَابٍ فِيهِ.
وَأَمَّا الثَّانِي؛ فَإِنَّهُ إِذَا أَفْتَى بِالْقَوْلَيْنِ مَعًا عَلَى التَّخْيِيرِ فَقَدْ أَفْتَى فِي النَّازِلَةِ بِالْإِبَاحَةِ وَإِطْلَاقِ الْعِنَانِ، وَهُوَ قَوْلٌ ثَالِثٌ٥ خَارِجٌ عَنِ الْقَوْلَيْنِ وَهَذَا لَا يجوز له