إِنْ لَمْ يَبْلُغْ دَرَجَةَ الِاجْتِهَادِ بِاتِّفَاقٍ، وَإِنْ بَلَغَهَا لَمْ يَصِحَّ لَهُ الْقَوْلَانِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ وَنَازِلَةٍ وَاحِدَةٍ أَيْضًا حَسْبَمَا بَسَطَهُ أَهْلُ الْأُصُولِ.
وَأَيْضًا، فَإِنَّ الْمُفْتِيَ قَدْ أَقَامَهُ الْمُسْتَفْتِي مَقَامَ الْحَاكِمِ عَلَى نَفْسِهِ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يُلْزِمُهُ الْمُفْتِي مَا أَفْتَاهُ بِهِ، فَكَمَا لَا يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ التَّخْيِيرُ؛ كَذَلِكَ هَذَا.
وَأَمَّا إِنْ كَانَ عَامِّيًّا؛ فَهُوَ قَدِ اسْتَنَدَ فِي فَتْوَاهُ إِلَى شَهْوَتِهِ وَهَوَاهُ، وَاتِّبَاعُ الْهَوَى عَيْنُ مُخَالَفَةِ الشرع؛ ولأن العامي إنما حكم العلم عَلَى نَفْسِهِ لِيَخْرُجَ عَنِ اتِّبَاعِ هَوَاهُ، وَلِهَذَا بُعِثَتِ الرُّسُلُ وَأُنْزِلَتِ الْكُتُبُ؛ فَإِنَّ الْعَبْدَ فِي تَقَلُّبَاتِهِ دَائِرٌ بَيْنَ لَمَّتَيْنِ: لَمَّةِ مَلَكٍ، وَلَمَّةِ شَيْطَانٍ١؛ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بِحُكْمِ الِابْتِلَاءِ٢ فِي الْمَيْلِ مَعَ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشَّمْسِ: ٧-٨]