أمَّا المسافر ففيه خلاف، ومن العلماء مَن يرى وجوب الصلاة على المسافر إذا حضرها؛ مثل: الزُّهري، وهو أحد التابعين (¬١)، ورأينا مَن يوجبها عليه إذا توفر العدد، وهو داود الظَّاهري، ولا ننسى أنَّ داود الظاهري يرى أنَّ الجمعة تنعقد إذا اجتمع اثنان؛ أحدهما يكون إمامًا، والآخر مأمومًا (¬٢).
* قوله: (وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ أَهْلُ الظَّاهِرِ؛ لِإِيجَابِهِمُ الجمعة عَلَى المُسَافِرِ (¬٣)، وَاشْتَرَطَ أَبُو حَنِيفَةَ المِصْرَ (¬٤) وَالسُّلْطَانَ مَعَ هَذَا).
لماذا اشترط أبو حنيفة المِصر والسلطان؟
لأنَّه ورد في ذلك حديث: "لا جُمُعة ولا تشريق إلَّا في مِصر جامع". رُفع ذلك إلى النبي ﷺ (¬٥)، ووُقِف على علي بن أبي طالب ﵁ (¬٦).
(¬١) سبق.
(¬٢) سبق هذا كله.
(¬٣) سبق ذكره.
(¬٤) سبق ذكر هذا، وأنه خالف الجمهور الذين أجازوا انعقاد الجمعة في القرى.
(¬٥) ذكره مرفوعًا أبو عبيد، فقال: "في حديثه ﵇: "لا جمعة ولا تشريق إلا في مِصر جامع"". انظر: "غريب الحديث" (٣/ ٤٥٢).
وذكر أبو يوسف أن أبا حنيفة ذكره مرفوعًا، فقال: "وزعم أبو حنيفة أنه بلغه عن النبي ﷺ أنه قال: "لا جمعة ولا تشريق إلا في مِصر جامع"". انظر: "الآثار"، لأبي يوسف (ص ٦٠).
قال الألباني: "لا أصل له مرفوعًا فيما علمت، إلا قول أبي يوسف في كتاب "الآثار" له، وزعم أبو حنيفة أنه بلغه عن النبي ﷺ أنه قال: … "، فذكره مرفوعًا، وهذا وَهم، وإليه أشار أبو يوسف بقوله: "وزعم أبو حنيفة"، مع أنه إمام، على أنه معضل، وقد أشار إلى ما ذكرنا الحافظ الزيلعي في "نصب الراية" بقوله: "غريب مرفوعًا، وإنما وجدناه موقوفًا على علي". انظر: "سلسلة الأحاديث الضعيفة" (٩١٧).
(¬٦) أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (٣/ ١٦٧)، عن معمر، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن عليٍّ قال: "لا جمعة ولا تشريق إلا في مِصر جامع". قال البيهقي: "إنَّما يروى هذا عن عليٍّ ﵁، فأما النبي ﷺ فإنه لا يُروى عنه في ذلك شيء"، وصححه الألباني موقوفًا. انظر: المصدر السابق.