أن تولّى القضاء بها بنو هاشم - وكانوا مالكيّة - فتوارثوا القضاء كما تتوارث الضّياع، ثم إنّ المعزّ ابن باديس حمل جميع أهل إفريقيّة على التّمسّك بمذهب مالك وترك ما عداه من المذاهب، فرجع أهل إفريقيّة وأهل الأندلس كلّهم إلى مذهب مالك إلى اليوم، رغبة فيما عند السّلطان وحرصا على طلب الدّنيا، إذ كان القضاء والإفتاء في جميع تلك المدن وسائر القرى، لا يكون إلاّ لمن تسمّى بالفقه على مذهب مالك، فاضطرّت العامّة إلى أحكامهم وفتاواهم، ففشا هذا هناك فشوّا طبّق تلك الأقطار (¬١).
كما فشا مذهب أبي حنيفة ببلاد المشرق، حيث إنّ أبا حامد (¬a)) أحمد بن محمد بن أحمد (¬a) الإسفراييني (¬٢)، لمّا تمكّن من الدّولة في أيّام الخليفة القادر باللّه أبي العبّاس أحمد، قرّر معه استخلاف أبي العبّاس أحمد بن محمد الباوردي (¬b) الشّافعيّ، عن أبي محمد بن الأكفاني الحنفي قاضي بغداد، فأجيب إليه بغير رضا الأكفاني. وكتب أبو حامد إلى السّلطان محمود ابن سبكتكين وأهل خراسان أنّ الخليفة نقل القضاء عن الحنفية إلى الشّافعيّة. فاشتهر ذلك بخراسان، وصار أهل بغداد حزبين.
وقدم عقيب (¬c) ذلك أبو العلاء صاعد بن محمد، قاضي نيسابور ورئيس الحنفيّة بخراسان، فأتاه الحنفيّة، فثارت بينهم وبين أصحاب أبي حامد فتنة ارتفع أمرها إلى السّلطان.