ونقراوش هو الذي بنى مدينة أمسوس وعمل بها عجائب كثيرة: منها طائر يصفّر كلّ يوم عند طلوع الشّمس مرّتين وعند غروبها مرّتين، فيستدلّون بصفيره على ما يكون من الحوادث حتى يتهيّأوا لها. ومنها صنم من حجر أسود في وسط المدينة، تجاهه صنم مثله، إذا دخل إلى المدينة سارق لا يقدر أن يزول حتى يسلك بينهما، فإذا دخل بينهما أطبقا عليه فيؤخذ.
وعمل صورة من نحاس على منار عال، لا يزال عليها سحاب يطلع، فكلّ من استمطرها أمطرت عليه ما شاء. وعمل على حدّ البلاد أصناما من نحاس مجوّفة، وملأها كبريتا، ووكّل بها روحانية النار، فكانت إذا قصدهم قاصد أرسلت تلك الأصنام من أفواهها نارا أحرقته. وعمل فوق جبل بطرس منارا يفور بالماء، ويسقي ما حوله من المزارع (¬١)، ولم تزل هذه الآثار حتى أزالها الطّوفان.
ويقال إنّه هو الذي أصلح مجرى النّيل، وكان قبله يتفرّق بين الجبلين، وإنّه وجّه إلى بلاد النّوبة جماعة هندسوه/، وشقّوا نهرا عظيما منه بنوا عليه المدن وغرسوا الغروس. وأحبّ أن يعرف مخرج النّيل فسار حتى بلغ خلف خطّ الاستواء، ووقف على البحر الأسود الزّفتي، ورأى النّيل يجري على البحر مثل الخيوط حتى يدخل تحت جبل القمر ويخرج منه إلى بطائح (¬٢)؛ ويقال إنّه هو الذي عمل التّماثيل التي هناك.
وعاد إلى أمسوس وقسم البلاد بين أولاده: فجعل لابنه الأكبر - واسمه نقارش (¬a) - الجانب الغربي، ولابنه شورب الجانب الشّرقي، وبنى لابنه الأصغر - واسمه مصرايم - مدينة برسان وأسكنه فيها (¬٣).