تكفر مضيت، فإنّ معي سروات النّاس وخيارهم. فخطب أبو بكر النّاس، ثم قال:
واللّه لأن تخطّفني الطّير أحبّ إليّ من أن أبدأ بشيء قبل أمر رسول اللّه ﷺ؛ فبعثه.
قال الذّهبي (¬١): لمّا اشتهرت وفاة النّبيّ ﷺ بالنّواحي ارتدّت طوائف كثيرة من العرب عن الإسلام، ومنعوا الزّكاة، فنهض أبو بكر الصّدّيق لقتالهم، فأشار عليه عمر وغيره أن يفتر عن قتالهم، فقال: واللّه لو منعوني عقالا - أو عناقا - كانوا يؤدّونها إلى رسول اللّه ﷺ لقاتلتهم على منعها، فقال عمر: كيف تقاتل النّاس وقد قال رسول اللّه ﷺ «أمرت أن أقاتل النّاس حتّى يقولوا: لا إله إلا اللّه، وأن محمّدا رسول اللّه، فمن قالها عصم منّي ماله ودمه إلاّ بحقّها، وحسابه على اللّه؟» فقال أبو بكر: واللّه لأقاتلنّ من فرق بين الصّلاة والزّكاة، فإنّ الزّكاة حقّ المال، وقد قال «إلاّ بحقّها» قال عمر: فو اللّه ما هو إلاّ أن رأيت اللّه شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنّه الحقّ.
وعن عروة [وغيره] (¬٢) قال: خرج أبو بكر في المهاجرين والأنصار حتّى بلغ نقعاء (¬٣) حذاء نجد، وهربت الأعراب بذراريهم، فكلّم النّاس أبا بكر، وقالوا:
ارجع إلى المدينة وإلى الذّرّيّة والنّساء، وأمّر رجلا على الجيش، ولم يزالوا به حتّى رجع، وأمّر خالد بن الوليد، وقال له: إذا أسلموا وأعطوا الصّدقة، فمن شاء منكم أن يرجع فليرجع، ورجع أبو بكر إلى المدينة.
وأخرج الدّارقطني عن ابن عمر قال: لمّا برز أبو بكر واستوى على راحلته أخذ عليّ بن أبي طالب بزمامها وقال: إلى أين يا خليفة رسول اللّه؟ أقول لك ما قال لك رسول اللّه ﷺ يوم أحد: «شم سيفك، ولا تفجعنا بنفسك» وارجع إلى المدينة، فو اللّه لئن فجعنا بك لا يكون للإسلام نظام أبدا.
وعن حنظلة بن عليّ اللّيثيّ (¬٤)، أنّ أبا بكر بعث خالدا وأمره أن يقاتل النّاس على خمس، من ترك واحدة منهنّ قاتله كما يقاتل من ترك الخمس جميعا: على شهادة أن