فروي عن بعض القدماء أنه قال لرجل: يا أبا الوليد! إن كنت أبا الوليد! يتورع أن يكنيه ولا ولد له! ولو أوغل هذا في العلم، لعلم أن النبي ﷺ كَنَّى صهيبًا أبا يحيى١، وكنَّى طفلًا [فقال] : "يا أبا عُمَيْرٍ! ما فَعَلَ النُّغَيْرُ؟ " ٢.
٢١٣- وقال بعض المتزهدين: قيل لي يومًا: كل من هذا اللبن! فقلت: هذا يضرني. ثم وقفت بعد مدة عند الكعبة، فقلت: اللهم! إنك تعلم أني ما أشركت بك طرفة عين. فهتف بي هاتف: ولا يوم اللبن؟!
وهذا لو صح؛ جاز أن يكون تأديبًا له؛ لئلا يقف مع الأسباب ناسيًا للمسبب، وإلا، فالرسول ﷺ قد قال: "ما زالت أكلة خيبر تعاودني حتى الآن قطعت أبهري" ٣، وقال: "ما نفعني مال كمال أبي بكر" ٤.
٢١٤- ومن المتزهدين أقوام يرون التوكل قطع الأسباب كلها، وهذا جهل بالعلم، فإن النبي ﷺ: دخل الغار٥، وشاور الطبيب٦، ولبس الدرع٧، وحفر الخندق٨، ودخل مكة في جوار المطعم بن عدي، وكان كافرًا٩، وقال لسعد: "لأن تدع ورثتك أغنياء خير لك من أن تدعهم عالة يتكففون الناس".
فالوقوف مع الأسباب مع نسيان المسبب غلط، والعمل على الأسباب مع تعلق القلب بالمسبب هو المشروع، وكل هذه الظلمات إنما تقطع بمصباح العلم، ولقد ضل من مشى في ظلمة الجهل، أو في زقاق الهوى.