١٢٩٤- وتأمل على الفطناء أحوالهم في ذلك: فالملائكة الذين يسبحون الليل والنهار، لا يفترون، قالوا: ما عبدناك حق عبادتك، والخليل ﵇ يقول: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي﴾ [الشعراء: ٨٢] ، وما أدل١ بتصبره على النار، وتسليمه الولد إلى الذبح.
ورسول الله ﷺ يقول: "ما منكم من ينجيه عمله"، قالوا: ولا أنت؟ قال: "ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته" ٢. وأبو بكر ﵁ يقول: "وهل أنا ومالي إلا لك يا رسول الله؟! " وعمر ﵁ يقول: "لو أن لي طلاع الأرض٣، لافتديت بها من هول ما أمامي قبل أن أعلم ما الخبر"، وابن مسعود يقول: "ليتني إذا مت لا أبعث"، وعائشة ﵂ تقول: "ليتني كنت نسيًا منسيًا". وهذا شأن جميع العقلاء، فرضي الله عن الجميع.
١٢٩٥- وقد روي عن قوم من صلحاء بني إسرائيل ما يدل على قلة الأفهام لما شرحته؛ لأنهم نظروا إلى أعمالهم، فأدلوا بها٤.
١٢٩٦- فمنه حديث العابد الذي تعبد خمسمائة سنة في جزيرة، وأخرج له كل ليلة رمانة، وسأل الله تعالى أن يميته في سجوده، فإذا حشر، قيل له: "ادخل الجنة برحمتي! قال: بل بعملي، فيوزن جميع عمله بنعمة واحدة، فلا يفي، فيقول: يا رب! برحمتك"٥.
١٢٩٧- وكذلك أهل الغار الذين انطبقت عليهم الصخرة: فإن أحدهم: توسل بعمل كان ينبغي أن يتسحيي من ذكره، وهو أنه عزم على الزنا، ثم خاف العقوبة، فتركه، فليت شعري، بماذا يدل من خاف أن يعاقب على شيء، فتركه تخوف