وقَدْ رُدَّ (¬٦٣٦) هذا على سيبويه، ولم يُجِز الرادُّ فيه إلّا النَصْبَ، لأنّ حَرفَ الجرِّ لا يُضْمَرُ، وقد بَيَّنَ سيبويه (¬٦٣٧) ضَعْفَهُ وبُعْدَهُ مع أَخْذِهِ لذلك عن العَرَبِ سَماعًا، فلا معنى لِرَدِّ ذلك عليه. وقد تَقَدّم هذان البيتان بتفسيرهما (¬٦٣٨).
وأنشد في البابِ لعامِرِ بنِ جُوَيْنٍ الطائي (¬٦٣٩):
[٢٤١] فَلَمْ أَرَ مِثْلَها خُباسَةَ واحِدٍ … ونَهْنَهْتُ نَفْسي بعدما كِدْتُ أَفْعَلَه
الشاهدُ فيه نَصْبُ (أَفْعَلَه) باضمارِ (أنْ) ضرورةً، ودُخولُ (أنْ) على (كادَ) لا يُستعمَلُ في الكلامِ، فإذا اضطُرَّ الشاعرُ أدخَلَها عليها تَشبيهًا لها بعَسَى لاشتراكهما في معنى المُقارَبَةِ، فلمّا أدخلوها بَعدَ (كادَ) في الشِعرِ ضَرورةٌ تَوَهَّمَها هذا الشاعِرُ مُستعمَلَةٌ ثُمَّ حَذَفَها ضرورةٌ، هذا تَقديرُ سيبويه.
وقد خُولِفَ (¬٦٤٠) فيه، لأنّ (أنْ) مع ما بَعدَها اسمُ فَلا يَجوزُ حَذْفُها، وحَمَلَ الرادُّ الفِعلَ على إرادَةِ النُونِ الخفيفةِ وحَذَفَها ضَرورةٌ، والتقديرُ عنده بَعدَما كِدْتُ أَفْعَلَنْهُ (¬٦٤١).
وهذا التقديرُ أيضًا بَعيدُ لتَضَمُّنِهِ ضَرورتينِ وهُما إدخالُ النُونِ في الواجبِ ثُمَّ حَذْفُها، فَقَولُ سيبويه أَولَى لأنّ (أنْ) قد أَتَتْ في الأشعارِ محذوفةً كثيرًا.
وَصَفَ ظُلامَةً هَمَّ بها ثُمَّ صَرَفَ نَفْسَهُ عنها. والخُباسَةُ: الظُلامَةُ، ورجلٌ خَبوسٌ أي: ظَلومٌ. ومعنى نَهْنَهْتُ "أي": كَفَفْتُ. وذَكَّرَ الضَميرَ لأنّ الظُلامَةَ والظُلْمَ بمعنًى [واحِدٍ].