منه، وتَذَكَّرُوا أن ذلك مَسٌّ من عنده؛ فاستبصروا وارتدعوا وزَهَقَ عنهم، ومن كان من إخوانه، مَشَى مع الشيطان في ميدانه.
وعلى القَوْلِ بأن إخوانهم -يعني: من الشياطين-، يكون المعنى: أن الشياطين لا يألون في النَّزْغِ، وهم لا يألون في الاستعاذة، ويتعاركون حتى يغلب حُسْنُ القضاء أو سُوءُ القَدَرِ فيَنْفُذُ الحُكْمُ.
والصحيحُ -عندي- أن المراد به: وإخوانهم، أي: إخوان الشياطين من العصاة؛ يَمُدُّونَ بالمعصية معهم، ولا يستبصرون (¬١)، ولا يستعيذون، ولا يرجعون، وإن استعاذوا فبألسنتهم، وقلوبهم مشحونة بطاعتهم، مملوءة من مادَّتهم في الشهوات، فهُم إليهم (¬٢) راجعون، ومعهم مرتبطون.
وإنَّما الحكمة في ذلك أن الله أَعْلَمَ أنه لابد أن يكون للشيطان مجال في قلوب [المؤمنين (¬٣)]، مع كلِّ أَحَدٍ حالٌ؛ فلكل صَارِمِ نَبْوَةٌ، ولكل عالم (¬٤) هَفْوَةٌ، ولكل عابد شِرَّةٌ، ولكل عامل (¬٥) فترَةٌ، ولكل سائر وَقْفَةٌ، ولكل قائل (¬٦) حُجَّةٌ، وهذا سَيِّدُ البشر ﷺ يُغَانُ على قلبه الشريف فيتُوبُ من كل ذنب في اليوم مائة مرة (¬٧)، فكيف بأمثالكم مع ما أنتم عليه في أحوالكم؟