فإذا (¬١) وصلتَ إلى البيت لتشهد منافع لك؛ فالمنافعُ التي تشهدها من ربك أعظمُ من التي تشهدها (¬٢) من بيته، ولا يعرف (¬٣) أحدٌ قَدْرَ الحب ولا سببه إلا من حجَّ فدخل مكة، فيرى واديًا غير ذي زرع؛ رَمْلٌ مُنْهَالٌ، وبَلَدٌ غير مِيهال (¬٤)، في وسطه بيتٌ مبنيٌّ من ججارة سود، غير عالي البناء (¬٥)، ولا مرصوف البناء، في أحد أركانه حَجَرٌ أسود أملس، قد حَفَّهُ جبلان أسودان من حجارة حُرْشٍ، لا ماء ولا مرعى، فيدخل القلب من محبته ما لا يَقْدِرُ أحدٌ على صفته، ويغلب النفس من هيبته (¬٦) ما يكاد يقع من خشيته، فيجري الدمع على وجنته، ولا يدري ما هذه العلاقة بمهجته، وكلما أتبعه البصر تضاعفت فيه البصيرة.
أخبرني (¬٧) محمد بن عبد الملك الصُّوفي قال: حَجَجْنَا مع الشيخ أبي الفضل الجوهري؛ وذكر حديثًا طويلًا، بيانُه (¬٨) في كتاب "ترتيب (¬٩) الرحلة"، فلمَّا دخلنا معه (¬١٠) مكة ووَلَجْنَا من باب بني شَيْبَةَ وعاين البَيْتَ؛