فانظروا - رحمكم الله - إلى فَهْم هذا الرجل وسَعَةِ ذِهْنِه، كيف غُلِبَ على سماع المنكر، ولم يستطع أن يُغَيِّرَ ولا أن يُصِمَّ أُذُنَيْهِ، فقَبِلَه (¬١) على (¬٢) الحق وردَّه إلى الخير، واتَّعظ به اللَّيْلَ كلَّه، فكأنه كان صاحب مجلس لم يُلقي إلى الخلق (¬٣) الخير (¬٤)، وهذا حُكْمٌ ضروري، كَشْفُ سَرِيرَةٍ من عِلْمٍ دِينيٍّ.
وقد كنتُ أعجبُ من هذا (¬٥) حتى عَلِمْتُ من أين أَخَذَها، أو من وافق فيها إن كان لم يرها؛ وهو علي بن أبي طالب ﵁، فإنَّ (¬٦) في "كتب الزهد" أن عليًّا ﵁ سَمعَ ناقوسًا يُطَنْطِنُ، فقال: "أتدرون ما يقول هذا الناقوس؟ قالوا: لا، قال: فإنه يقول: كذا، وذَكَرَ (¬٧) تقديسًا للباري وتعظيمًا" (¬٨).
وكنتُ أعجب أيضًا (¬٩) من ذلك حتى تَبَيَّنْتُ (¬١٠) قَوْلَ الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤].