والمقتصد: الذي سار على قَصْدِ السبيل، ولم يضع النعمة في غير موضعها؛ لأن يستعمل ماله أو بدنه أو قلبه أو لسانه في غير طاعة الله.
والسَّابق (¬١) على قَصْدِ السبيل على قسمين، مسرع ومتباطئ، فالمسرع هو الذي يسبق إلى المحل ويحصل على المراد.
فهذه الثلاثة أصناف ممَّن (¬٢) اصطفى الله.
والاصطفاءُ هو افتعال من الصَّفاء، وهو إزالة الكدورات، فيزيلها على الإطلاق في الاعتقاد والقول والعمل للأنبياء، فيصفو ظاهرهم وباطنهم، وفي كُلِّهم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا﴾ [آل عمران: ٣٣]، ﴿اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الأعراف: ١٤٤]، ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾ [ص: ٤٧]، فهذا غاية الصفاء، وأَوَّلُ الصفاء التخليص من كُدورة الكفر بخَلْقِ الإيمان في القلوب، فإن كان هنالك رَيْنٌ (¬٣) بالغفلة أو كدورة بالمعصية؛ لا يذهب نور الإيمان، ولا تخلَق بُرْدَتُه، ولا يتكدَّر صفاء التوحيد، وإن تكدَّرت جوانبه واخْلَوْلَقَتْ حَوَاشِيهِ.
فأورث الله كتابَه الذي هو القرآن أو سائر الكتب - وإنَّها لفي القرآن - عبادَه المصطفين من العباد، وهم أمة مُحَمَّد ﷺ، فلقد اصطفى نبيَّها ﷺ على الأنبياء، ولقد اصطفاها بحُرْمَتِه على سائر الأمم، حتى خَطَّطها (¬٤) بالشهادة، وأمضى الحُكْمَ بقولها على سائر الأمم.