وكان يقهرني على الصناعة (¬١)، ففَرَرْتُ منه إلى بغداذ، وأَوْقَعَ الله في قلبي طَلَبَ العلم، فلزمت القاضي أبا الطيِّب الطَّبَرِي (¬٢) " (¬٣).
قال لي بعضهم: حتَّى كان القاضي أبو الطيب يقول فيه: "إنه حمامة المسجد"، من كثرة ملازمته له.
قال أبو إسحاق: "وكنتُ أخدم طبَّاخًا، فإذا كان العَشِيُّ جئتُ إليه؛ فغسلتُ قُدُورَه، وأشعلت ناره، ورتَّبت طعامه، ثم يأتي المحتسب فيختم عليها، وتوضع على النار، وأُقيم عليها معه، حتى (¬٤) إذا أَسْحَرَ فكَّ الخاتَم وشرع في البيع، فإذا أصبح وطلعت الشمس ترَكْتُه، ومشيتُ إلى مسجد القاضي أبي الطيِّب إلى العَشِيِّ، هكذا أبدًا؛ أدرسُ ليلًا ونهارًا في مسجدي (¬٥) ودُكَّانِي، ولا يعود عليَّ إلا ما أقتاتُ به (¬٦)، وأَتَلَبَّسُ بخَشِنٍ من الثياب، حتَّى رأى القاضي أبو الطيب أنِّي ممَّن حصَّل فأدناني وخزلني (¬٧) عن السوق، ولم يزل يسعى لي في العُلُوِّ (¬٨) والمرتبة حتى أعطى الله وفَتَحَ،