ومنهم: من يُقِيمُ حروفه في مخارجها.
ومنهم: من يُقْبِلُ على جميع القراءات، وليته جَمَعَ الصحيح منها، أو عرف كيف يجمعها، وهذا كله مذموم، وإقبال على ما لا يُحتاج إليه، أو إعراضٌ عمَّا يلزم، وقد بيَّناه في غير موضع (¬١).
وكان أبو بكر الصديق. ﵁ أَسِيفًا؛ إذا قرأ بكى شَوْقًا وخَوْفًا.
وقد رأيت من يَعِيبُ البكاء ويقول: إنه صفة الضعفاء، والنبي ﷺ قد مدحها، قال: "عينان لن تمسهما النار أبدًا، عَيْنٌ بَكَتْ من خشية الله، وعَيْنٌ سهرت في سبيل الله" (¬٢).
وبُكَاءُ الشوق- عندي- خشية، فإنه حَذَرٌ من فوات المتاع بالمحبوب.
وقد كنت فاوضتُ في ذلك شَيْخِيَ الزَّاهِدَ أبا بكر (¬٣) القُرَشِي (¬٤)، وكانت فيَّ (¬٥) قَسْوَةٌ جِبِلِّيَّةٌ (¬٦)، وشَكَوْتُ إليه ما بقلبي من ذلك، فقال لي: "تَبَاكَ إذا لم يُطِعْكَ البكاء، وتَحَازَنْ إذا لم يُجِبْكَ الحُزْنُ، حتى تتَّخذه عادة، وإن مَدَّ الله في عمري لأجمعنَّ كتابًا في البكاء"، وفارقتُه ولم أَدْرِ ما فَعَلَ بعدي.