فِي هَذَا دَلِيل عَلَى الْكَرَاهَة؛ لاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونِ عَافَتْهُ، فَأَرَادَ النَّبِيّ ﷺ، أَنْ لا يَكُون مَا يُتَقَرَّب بِهِ إِلَى الله، إِلَّا منْ خَيْر الطَّعَام، كَمَا نَهَى أن يُتَصَدَّق بِالتَّمْرِ الرَّدِيء انتهى. وَقَدْ جَاءَ عَن النَّبِيّ ﷺ، أَنَّهُ نَهَى عَن الضَّبّ، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، بِسَنَدٍ حَسَن، فَإِنَّهُ مِنْ رِوَايَة إِسْمَاعِيل بْن عَيَّاش، عَن ضَمْضَم بن زُرْعَة، عَن شُرَيْح بْن عُتبَة، عَن أَبِي رَاشِد الْحُبْرَانِيّ (¬١)، عَن عَبْد الرَّحْمَن بْن شِبْل، وَحَدِيث ابْن عَيَّاش، عَن الشَّامِيِّينَ قَوِيّ، وَهَؤُلاءِ شَامِيُّونَ، ثِقَات، وَلا يُغْتَرّ بِقَوْلِ الْخَطَّابِيّ: لَيْسَ إِسْنَاده بِذَاكَ، وَقَوْل ابْن حَزْم: فِيهِ ضُعَفَاء، وَمَجْهُولُونَ، وَقَوْل الْبَيْهَقِيِّ: تَفَرَّدَ بِهِ إِسْمَاعِيل بْن عَيَّاش، وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ، وَقَوْل ابْن الْجَوْزِيّ: لا يَصِحّ، فَفِي كُلّ ذَلِكَ تَسَاهُل لا يَخْفَى، فَإِنَّ رِوَايَة إِسْمَاعِيل عَن الشَّامِيِّينَ قَوِيَّة، عِنْد الْبُخَارِيّ، وَقَدْ صَحَّحَ التِّرْمِذِي بَعْضهَا.
(ومنها): أن فيه الْإعْلَامَ بِمَا شَكَّ فِيهِ لإِيضَاح حُكْمه. (ومنها): أَنَّ مُطْلَق النَّفْرَة عن الشيء، وَعَدَم الاسْتِطَابَة لا يَسْتَلْزِم التَّحْرِيم. (ومنها): أَنَّ الْمَنْقُول عَنهُ ﷺ أَنَّهُ كَانَ لا يَعِيب الطَّعَام، إِنَّمَا هُوَ فِيمَا صَنَعَهُ الآدَمِيّ لِئَلا يَنْكَسِر خَاطِره، وَيُنْسَبَ إِلَى التَّقْصِير فِيهِ، وَأَمَّا الَّذِي خُلِقَ كَذَلِكَ، فَلَيْسَ نُفُور الطَّبْع مِنْهُ مُمْتَنِعًا. (ومنها): أَنَّ وُقُوع مِثْل ذَلِكَ لَيْسَ بِمَعِيبٍ، مِمَّنْ يَقَع مِنْهُ، خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُتَنَطِّعَة. (ومنها): أَنَّ الطِّبَاع تَخْتَلِف فِي النُّفُور، عَن بعْض الْمَأْكُولات. (ومنها): ما قيل: أنه يُسْتَنْبَط مِنْهُ أَنَّ اللَّحْم إِذَا أَنْتَنَ لَمْ يَحْرُم؛ لأَنَّ بَعْض الطِّبَاع لا تَعَافهُ.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: فيه نظر، لا يخفى؛ لأن قوله صلّى الله تعالى عليه وسلم فِي حديث أبي ثعلبة الخشنيّ رضي الله تعالى عنه المتقدّم: "فليأكله إلا أن يُنتن" صريح فِي المنع عن أكل اللحم، إذا أنتن، فيقدّم عَلَى هَذَا المفهوم، فتأمّل. والله تعالى أعلم.
(ومنها): أن فِيهِ دُخُولَ أَقَارِب الزَّوْجَة بَيْتهَا، إِذَا كَانَ بِإِذْنِ الزَّوْج، أَوْ رِضَاهُ.
[تنبيه]: قَالَ الحافظ رحمه الله تعالى: ذَهَلَ ابْن عَبْد الْبَرّ هُنَا، ذُهُولاً فَاحِشًا، فَقَالَ: كَانَ دُخُول خَالِد بْن الوليد، بَيْت النَّبِىّ ﷺ فِي هَذِهِ الْقِصَّة، قَبل نُزُول الْحِجَاب، وَغَفَلَ عَمَّا ذَكَرَهُ هُوَ، أَنَّ إِسْلام خَالِد، كَانَ بَيْن عُمْرَة القَضِيَّة وَالفَتْح، وَكَانَ الْحِجَاب قَبْل ذَلِكَ اتِّفَاقًا، وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث الْبَاب: "قَالَ خَالِد: أَحَرَام هُوَ، يَا رَسُول الله؟ "، فَلَوْ كَانَتْ الْقِصَّة قَبْل الْحِجَاب، لَكَانَتْ قَبْل إِسْلام خَالِد، وَلَوْ كَانَتْ قَبْل إِسْلامه لَمْ يَسْأَل عَن حَلال، وَلا حَرَام، وَلا خَاطَبَ بِقَوْلِهِ: يَا رَسُول الله. انتهى (¬٢).