تضمَّن كلامُ المؤلِّفِ ذكرَ الوجهَيْنِ في إعرابِ «رَهْبَانِيَّةً»؛ هل هي عطفٌ على «رَأْفَةً وَرَحْمَةً»، أو نصبٌ على الاشتغالِ بفعلٍ محذوفٍ يفسِّرُهُ ما بعده، والتقديرُ: وابتدَعُوا رهبانيَّةً؟ ورجَّح المؤلِّفُ الوجهَ الأوَّل، ونسَبَ الثانيَ للمعتزِلة؛ حيثُ زعَمُوا أنَّ ذلك لئلا يتعلَّقَ الجَعْلُ - بمعنى الخلقِ - بالرهبانيَّةِ، وهي مِنْ فعلِ العبدِ، وعندَهم: أنَّ العبدَ هو الذي يخلُقُ فعلَهُ.
والإعرابُ الثاني هو الراجِحُ، وقد ذهَبَ إليه جَمْعٌ؛ كالزَّجَّاجِ (¬١) والعُكْبَريِّ (¬٢)، والبغويِّ (¬٣) والقُرْطُبيِّ (¬٤)، وابنِ القيِّمِ (¬٥) وابنِ عاشورٍ (¬٦) وغيرِهم؛ وذلك لأنَّ مفعولَ «جعَلَ» في الآيةِ مقيَّدٌ في القلوبِ: ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ﴾ [الحديد: ٢٧]، والرهبانيَّةُ: سلوكٌ ظاهِرٌ، وليس في إعرابِ «رهبانيَّةً» على الوجهِ الثاني، حجَّةٌ للمعتزِلة، ولا منفعةٌ للمخالِف؛ قاله الشيخُ الطاهِرُ بنُ عاشورٍ ﵀ (¬٧).