اللَّذَينِ يَفْعَلَانِ ذَلِكَ! فَيَذُمُّونَ الدَّهْرَ بِأَنَّهُ الَّذِي يُفْنِينَا وَيَفْعَلُ بِنَا؛ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ((لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ)) عَلَى أَنَّهُ يُفْنِيكُمْ وَالَّذِي يَفْعَلُ بِكُمْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ!! فَإِنَّكُمْ إِذَا سَبَبْتُمْ فَاعِلَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فَإِنَّمَا تَسُبُّون اللَّهَ ﵎؛ فَإِنَّ اللَّهَ فَاعِلُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ" (¬١).
وَقَالَ ابْنُ الجَوزِيُّ ﵀: "وَرُبَّمَا جَعَلُوا اللهَ الدُّنْيَا، وَيَقُولُونَ: فَعَلَتْ وَصَنَعَتْ"! وَ "كَذَلِكَ لَعْنُ جَمِيعِ الحَيَوَانَاتِ وَالجَمَادَاتِ؛ فَكُلُّهُ مَذْمُومٌ" (¬٢).
- إِنَّ سَبَّ الدَّهْرِ -أَو وَصْفَهُ- يَنْقَسِمُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ (¬٣):
١ - أَنْ يَقْصِدَ الخَبَرَ المَحْضَ دُونَ اللَّومِ؛ فَهَذَا جَائِزٌ، ومِنْهُ قَولُ لُوطٍ ﵊: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ [هُود: ٧٧] (¬٤).
٢ - أَنْ يَسُبَّ الدَّهْرَ عَلَى أَنَّه هُوَ الفَاعِلُ؛ كَأَنْ يَعْتَقِدَ بِسَبِّهِ الدَّهْرَ أَنَّ الدَّهْرَ هُوَ الَّذِي يُقَلِّبُ الأُمُورَ إِلَى الخَيرِ وَالشَّرِّ! فَهَذَا شِرْكٌ أَكْبَرُ؛ لِأَنَّه اعْتَقَدَ أَنَّ مَعَ اللهِ خَالِقًا، وَلِأَنَّهُ نَسَبَ إِيجَادَ الحَوادِثِ إِلَى غَيرِ اللهِ، وَمِنْ ذَلِكَ الضَّلَالِ نِسْبَةُ الإِمَاتَةِ إِلَى الدَّهْرِ فِي قَولِ المُشْرِكِينَ: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجَاثِيَة: ٢٤].
٣ - أَنْ يَسُبَّ الدَّهْرَ لَا لِاعْتِقَادِهِ أَنَّهُ هُوَ الفَاعِلَ؛ بَلْ يَعْتَقِدُ أَنَّ اللهَ هُوَ الفَاعِلُ لَكِنْ يَسُبُّهُ لِأَنَّهُ مَحَلٌّ لِهَذَا الأَمْرِ المَكْرُوهِ عِنْدَهُ؛ فَهَذَا مُحَرَّمٌ، وَهُوَ مَقْصُودُ المُصَنِّفِ فِي هَذَا البَابِ.