أمسك بيديه عليها، فلما رأيته من بعيد توهمت أنه آدمي، حتى دنا مني وسلم عليَّ (¬١) ووضع الجرة بين يدي، فجاءني اعتراض العلم، فقلت: هذا الجرة والماء من أين هو؟ فنطق الدب وقال: يا سهل إنا قوم من الوحش قد انقطعنا إلى اللَّه تعالى بعزم المحبة والتوكل، فبينما نحن نتكلم مع أصحابنا في مسألة إذ نودينا: ألا إن سهلا يريد ماء لتجديد الوضوء، فوضعت هذه الجرة بيدي، وإذا بجنبي ملكان فدنوت منهما، فصبا فيها هذا الماء من الهواء، وأنا أسمع خرير الماء.
قال سهل: فغشي عليَّ، فلما أفقت إذا بالجرة موضوعة ولا علم لي بالدب أين ذهب، فأنا متحير إذ لم أكلمه، فلما فرغت أردت أن أشرب منها، فنوديت من الوادي: يا سهل لم يأن لك شرب هذا الماء بعد، فبقيت الجرة تضطرب وأنا أنظر إليها، فلا أدري أين ذهبت.
فصل
عن سهل أيضا ﵀ قال: توضأت في يوم جمعة ومضيت إلى الجامع في أيام البداية، فوجدته قد امتلأ بالناس، وهمَّ الخطيب أن يرقا على المنبر فأسأت الأدب، ولم أزل أتخطى رقاب الناس حتى وصلت إلى الصف الأول، فجلست، وإذا عن يميني شاب حسن المنظر طيب الرائحة عليه أطمار صوف (¬٢) فلما نظر إلي قال: كيف تجدك يا سهل؟ قلت: بخير أصلحك اللَّه. وبقيت متفكرا في معرفته لي وأنا لم أعرفه (¬٣)، فبينما أنا كذلك إذ جد بي حرقان بول، فأكربني، فبقيت على وجل